تمهيد
تحتل المرونة التنظيمية موقعًا مهمًا في قدرة المؤسسات التعليمية على التكيف مع التحديات والاستمرار في تحقيق أهدافها، ويكتسب هذا المفهوم حساسية خاصة في منظمات تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات المتمحورة حول الإنصاف، حيث تتقاطع طموحات التميز العلمي مع مطالب العدالة في إتاحة فرص التعلم لجميع الطلبة، وقد تبدو بعض الممارسات اليومية داخل هذه المنظمات عادية للوهلة الأولى، غير أن السرد القصصي الذي يمارسه القادة وفرقهم يمكن أن يحول هذه الممارسات إلى وقود للتحول نحو فرص تعلم علمية منصفة داخل المدرسة، والقصة في الحياة التنظيمية ليست ترفًا ثقافيًا، فالمؤسسات تحفظ ذاكرتها وتبرر قراراتها وتحشد أعضاءها عبر ما يروى عنها وعن أهدافها، ويزداد هذا الدور حيوية حين تسعى المنظمة لتغيير عميق يمس هويتها وممارساتها الراسخة كما في التحول نحو تعليم علمي منصف للجميع، ومن هنا تبحث هذه الدراسة في دور السرد القصصي في دعم المرونة التنظيمية لتعليم علمي منصف في المدارس والمناطق التعليمية، ومتى يتحول السرد من مجرد خطاب ملهم إلى رافعة تغيير فعلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية توظيف القادة التربويين السرد القصصي في تعزيز المرونة التنظيمية داخل منظمات تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات الممتدة من رياض الأطفال إلى الصف الثاني عشر، واعتمدت تصميم دراسة حالة مقارنة، فاستطلعت التحديات التي حددها القادة التربويون عبر مجموعات بؤرية عملت مع فرق لتفعيل التعلم متعدد التخصصات دعمًا لبرامج علمية مزدهرة تعزز الإنصاف في تعليم العلوم، وميزت الدراسة الظواهر الاجتماعية والتنظيمية لأنظمة التعليم العلمي في ثلاثة سياقات تربوية، عارضة خلفيات هذه الأنظمة وأهدافها التعليمية بعناية خاصة ببرامجها العلمية، ثم مقدمة القصص التي رواها قادتها لتعزيز المرونة التنظيمية في كل سياق من هذه السياقات، ويتيح التصميم المقارن رصد ما هو ثابت عبر السياقات من وظائف للسرد القصصي وما هو متغير بتغير البيئة المدرسية والمجتمعية، بما يمنح النتائج عمقًا يتجاوز دراسة سياق وحيد معزول قد تخدع خصوصياته الباحث عن أنماط عامة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن السرد القصصي يعمل وسيلة لتحقيق المرونة التنظيمية، إذ يعيد القادة عبر قصصهم تأطير التحديات والممارسات اليومية التي قد تبدو عادية في صورة معنى مشترك يحشد الفرق نحو التحول بدل الاستسلام للجمود والروتين، فالقصة تمنح التحديات أسماء ووجوهًا ومسارات، وتحول الخبرات المبعثرة داخل المنظمة إلى فهم جماعي قابل للبناء عليه عند مواجهة الأزمات والمتغيرات المفاجئة
2، شاركت قصص القادة في السياقات الثلاثة صورة حالة تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات داخل المدرسة والمنطقة التعليمية، فجعلت الواقع الراهن بفرصه ومعوقاته مرئيًا وقابلًا للنقاش والتخطيط الجماعي الواعي
3، حملت القصص الرسالة التعليمية لبرامج العلوم موضحة الغاية من التعليم العلمي وقيم الإنصاف التي توجهه، بما يعزز التزام الفرق والمعلمين بأهداف تتجاوز تنفيذ الأنشطة إلى تحقيق العدالة في الفرص التعليمية
4، بنت القصص حكاية مجتمعية لتعليم العلوم تربط المدرسة بمجتمعها المحلي وشركائها، بما يوسع قاعدة الدعم للبرامج العلمية ويرسخ شرعيتها ويمنحها قدرة أكبر على الصمود أمام المتغيرات والضغوط
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات مهمة للقيادة التربوية، فهي تعيد الاعتبار لأداة تبدو بسيطة وهي القصة بوصفها موردًا قياديًا يبني المعنى المشترك ويحفز التحول نحو تعليم علمي منصف، وتفيد مخططي برامج إعداد القيادات المدرسية في تدريب القادة على صياغة سرديات مؤسسية صادقة تستثمر تاريخ منظماتهم وطموحاتها وتحدياتها، وللباحثين العرب وطلبة الدراسات العليا في القيادة التربوية وإدارة منظمات تعليم العلوم تفتح الدراسة بابًا لدراسة السرد القصصي في المدارس والجامعات العربية، حيث تزخر الثقافة المحلية بتراث قصصي غني يمكن توظيفه قياديًا بوعي منهجي رصين، ويستفيد مشرفو المناطق التعليمية ومديرو المدارس من إدراك أن اجتماعاتهم وخطاباتهم ووثائقهم ليست قنوات معلومات فحسب، بل مناسبات لصناعة القصة المؤسسية التي سيحملها المعلمون والطلبة وأولياء الأمور عن مدرستهم وغايتها
وخلاصة القول إن السرد القصصي لدى قادة تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات ليس زخرفًا خطابيًا بل آلية عمل للمرونة التنظيمية، فبه تروى حالة التعليم العلمي ورسالته وقصته المجتمعية، فتتحول الممارسات اليومية العادية إلى مسار تحول نحو فرص تعلم منصفة قادرة على الاستمرار والتجدد








