تمهيد
يمثل التعلق حاجة أساسية إنسانية عابرة للثقافات، غير أن تعريفه وإشباعه وتشكيله يختلف من سياق اجتماعي ثقافي إلى آخر، إذ تنعكس البيئة التي ينشأ فيها الفرد على أنماط قربه من الآخرين وقلقه حيال علاقاته وتجنبه للحميمية، وتقدم ألمانيا بتاريخها الفريد المتمثل في دولتين منقسمتين عاشتا بيئتين اجتماعيتين وسياسيتين مختلفتين فرصة نادرة لدراسة أثر البيئة الاجتماعية السياسية في سلوك التعلق لدى البالغين، فقد نشأت أجيال كاملة في ظل نظامين متباينين في القيم والتنشئة وفرص الحياة قبل إعادة التوحيد، وما يزال السؤال قائمًا حول ما إذا كانت آثار تلك البيئات قد استمرت في البنية النفسية للأجيال التي عايشتها وتلاشت لدى الأجيال اللاحقة، وهو سؤال يهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشخصية لأنه يصل بين التاريخ السياسي والتشكيل النفسي الفردي بأدلة ميدانية واسعة النطاق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الفروق بين الألمان الشرقيين والغربيين في سلوك التعلق لدى البالغين، وقوم سلوك التعلق في عينة ممثلة بلغ عدد أفرادها 2328 مشاركًا باستخدام بعدي قلق التعلق وتجنب التعلق في علاقات الشراكة من استبيان الخبرات في العلاقات الوثيقة بنسخته المختصرة، وفحصت الفروق بين الشرقيين والغربيين بتحليل تباين أحادي المتغير مع التمييز بين الفئات العمرية والجنس، وأدرجت المتغيرات الاجتماعية الاقتصادية في النموذج بوصفها متغيرات ضابطة، بما أتاح عزل أثر النشأة في كل من الدولتين عن أثر الدخل والتعليم والمهنة وغيرها من الفروق البنيوية بين المجموعتين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، وجدت فروق دالة بين الألمان الشرقيين والغربيين في قلق التعلق عند مستوى دلالة 0.01، بينما لم تظهر فروق مقابلة في تجنب التعلق
2، أظهر تحليل الفئات العمرية أن الألمان الشرقيين المولودين بين عامي ألف وتسعمئة وواحد وعشرين وألف وتسعمئة وتسعة وثمانين أقل قلقًا تعلقيًا في المتوسط من نظرائهم الغربيين
3، لم تظهر هذه الفروق لدى جيل ما بعد إعادة التوحيد من المولودين بعد عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين، مع التحفظ الواجب لأن هذه المقارنة لم تشمل سوى ثمانية وعشرين مشاركًا من الألمان الشرقيين، ومن ثم ينبغي تفسيرها بحذر
4، ظهرت الآثار المرتبطة بالجنس فقط في علاقتها بالفئات العمرية دون أن تستقل بذاتها، وكانت أحجام الأثر عمومًا صغيرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن البالغين الذين نشأوا في جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة يبلغون عن قلق تعلقي أدنى من نظرائهم الغربيين، ورغم صغر أحجام الأثر توحي النتائج بأن البيئة الاجتماعية السياسية عامل ذو صلة بسلوك التعلق في العلاقات الوثيقة وبخاصة قلق التعلق، وتفتح الدراسة بابًا مهمًا للتفكير في كيفية تسرب الأنظمة السياسية والاجتماعية إلى العمليات النفسية الحميمية عبر التنشئة والخبرات الجمعية، وهو منظور يفيد الباحثين العرب عند دراسة آثار التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في المنطقة على الأسرة والعلاقات والهوية، كما تنبه ممارسي العلاج الأسري والزوجي إلى أن الخلفية التاريخية والاجتماعية للعميل ليست هامشًا في فهم أنماطه التعلقية بل جزء من سياقها التفسيري
وتنسجم هذه النتائج مع منظور أوسع في علم النفس الاجتماعي يرى أن التحولات السياسية الكبرى لا تعيد تشكيل المؤسسات وحدها بل تتسرب إلى أنماط التنشئة الأسرية وقيم الاستقلال والاعتماد المتبادل، فتنعكس عبر العقود في العلاقات الحميمية والزوجية والأسرية، ويفتح ذلك أفقًا مقارنًا أمام الباحثين العرب لدراسة آثار مراحل التحول السياسي والاجتماعي في بلدانهم على أنماط التعلق والتماسك الأسري، مع الاستفادة من التجربة الألمانية في تصميم عينات ممثلة وفحص الفئات الجيلية المتعاقبة بدل الاكتفاء بمتوسطات عامة تخفي التباين بين الأجيال
وخلاصة القول إن النشأة في بيئتين اجتماعيتين وسياسيتين مختلفتين تركت أثرًا مميزًا في قلق التعلق دون تجنبه لدى الأجيال الألمانية التي عايشت الانقسام، وتلاشى هذا الأثر لدى جيل ما بعد التوحيد، بما يجعل السياق الاجتماعي السياسي عاملًا ذا صلة في تشكيل التعلق البالغ








