تمهيد
رافق الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل والحياة اليومية اهتمام متنام بقياس اتجاهات الأفراد نحو هذه التقنيات، إذ تساعد معرفة الاتجاهات على تفسير القبول والاستخدام والمقاومة، غير أن ساحة القياس هذه تعاني تشتتًا ملحوظًا، فالمقاييس المتاحة لقياس الاتجاه نحو الذكاء الاصطناعي تختلف اختلافًا كبيرًا في أسسها النظرية وبنيتها البعدية وفئاتها المستهدفة وسياقات تطبيقها، بما يثير أسئلة جوهرية حول مدى تمثيلها لتصورات متكافئة للبنية المقيسة ذاتها، وهنا تبرز الحاجة إلى رسم خريطة شاملة لهذا الحقل توضح تيماته وبنيته الفكرية والمنهجية والمفاهيمية، وهي مهمة تهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا ممن يطورون مقاييس عربية أو يكيّفون مقاييس عالمية لقياس اتجاهات الطلاب والمعلمين والمستخدمين نحو الذكاء الاصطناعي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إجراء مراجعة خريطية منهجية لبحوث مقاييس الاتجاه نحو الذكاء الاصطناعي المعاصرة ورسم بنيتها التيماتية والفكرية والمنهجية والمفاهيمية، فحدد بحث مُعرّف مسبقًا في قاعدة بيانات شبكة العلوم الأساسية مجموعة من الدراسات السيكومترية المؤهلة ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي المنشورة بين عام ألفين واثنين وعشرين ومنتصف عام ألفين وستة وعشرين وبلغ عددها مئتين وثمانية وتسعين دراسة، وكان الاتجاه نحو الذكاء الاصطناعي أكثر البنى تمثيلًا فيها، فشكلت إحدى وخمسون دراسة العينة التحليلية النهائية، ودمجت المراجعة بين التوليف الوصفي والمفاهيمي وتحليلات الخرائط الببليومترية بما فيها التوارد المشترك لكلمات المؤلفين ومصطلحات الملخصات، والاقتباس المشترك، والاقتران الببليوغرافي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، برز تطوير المقاييس وتقويمها السيكومتري بوصفهما تيمتين منهجيتين غالبتين في أدبيات قياس الاتجاه نحو الذكاء الاصطناعي
2، ربط تحليل الاقتباس المشترك بين تقليد قبول التكنولوجيا الأوسع وبين المقاربات الخاصة بالذكاء الاصطناعي في قياس الاتجاه، بما يكشف عن جذور نظرية مشتركة بين الحقلين
3، كشف الاقتران الببليوغرافي عن أربع جبهات بحثية معاصرة مترابطة تشمل صقل المقاييس وتوسيع سياقاتها، والتعليم والذكاء الاصطناعي التوليدي، والقياس الخاص بفئات سكانية وميادين محددة، والتحقق عبر الثقافات حول عائلات مقاييس راسخة
4، ظهر تباين مفاهيمي جوهري عبر الأدوات رغم القواسم الببليوغرافية والمنهجية، فتنوعت التصورات بين أحادية البعد، وثنائية الإيجابية والسلبية، ومعرفية وجدانية سلوكية، ووظيفية، وأخلاقية، ومتعددة الأبعاد خاصة بميدان بعينه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدل النتائج على أن القواسم الببليوغرافية والمنهجية لم تنتج تجانسًا مفاهيميًا في قياس الاتجاه نحو الذكاء الاصطناعي، ومن ثم ينبغي للبحوث المقبلة أن تعطي الأولوية لتعريف البنية المقيسة تعريفًا صريحًا، وتحقيق الملاءمة المفاهيمية بين الأدوات وأغراض البحث، وفحص ثبات القياس عبر المجموعات، والتحقق عبر الثقافات، والتقويم التراكمي للمقاييس الراسخة بدل افتراض التكافؤ بين مقاييس تحمل المسمى نفسه، وهي توصيات ذات قيمة مباشرة للباحثين العرب عند بناء مقاييس عربية أصيلة أو تعريب المقاييس القائمة، إذ تحذرهم من الاستيراد المفاهيمي غير النقدي وتوجههم نحو تأصيل نظري وتحقق ثقافي يليق بخصوصية البيئة العربية
ويستدعي هذا التشتت المفاهيمي وقفة منهجية لدى الباحثين العرب الذين شرعوا في بناء مقاييس لقياس اتجاهات الطلاب والمعلمين وأفراد المجتمع نحو الذكاء الاصطناعي، فالمطلوب قبل الترجمة والتعريب تحديد البنية المقيسة تحديدًا نظريًا واضحًا، هل هي اتجاه وجداني عام أم تقييم نفعي وظيفي أم مخاوف أخلاقية أم مزيج متعدد الأبعاد من ذلك كله، وأن يرافق ذلك تحقق دقيق من الخصائص السيكومترية في البيئة العربية ومن ثبات القياس عبر الجنس والعمر والمستوى التعليمي، وأن تتراكم الدراسات حول عائلات مقاييس محدودة بدل تشتيت الجهد في أدوات جديدة متفرقة، فحينها فقط تصبح المقارنات بين الدراسات العربية ممكنة ويصبح الإسهام العربي في الخريطة العالمية لهذا الحقل إسهامًا منهجيًا معتبرًا
وخلاصة القول إن خريطة بحوث مقاييس الاتجاه نحو الذكاء الاصطناعي تكشف حقلًا نشطًا متعدد الجبهات يتقاسم مراجع ومناهج متقاربة، لكنه يفتقر إلى تجانس مفاهيمي في تعريف ما يقيسه، بما يجعل ضبط التعريف والتحقق عبر الثقافات وتراكم الأدلة أولويات للمرحلة المقبلة








