تمهيد
تدخل صناعة السياحة العالمية حقبة جديدة تمتزج فيها التجربة المادية بالتجربة الرقمية امتزاجًا عميقًا، حتى غدا من الصعب الفصل بين ما يعيشه المسافر على أرض الواقع وما يختبره عبر الشاشات والبيئات الافتراضية قبل الرحلة وخلالها وبعدها، ويتصدر هذا المشهد مفهوم الميتافيرس بوصفه فضاءً رقميًا غامرًا يتيح للمستخدم أن يتجول افتراضيًا في الوجهات والمعالم وأن يتفاعل مع عناصرها بصورة تحاكي الحضور الفعلي، وقد انقسمت الرؤى حول مستقبل هذه التقنية بين اتجاه يراها بديلًا افتراضيًا قد يغني عن السفر ذاته، واتجاه آخر يعدها امتدادًا فيجيتاليًا يثري التجربة الفعلية ويدعم قراراتها دون أن يلغيها، وبين هذين الطرفين تبرز الحاجة العلمية إلى فحص دقيق لمواضع عمل الميتافيرس داخل رحلة العميل السياحي وحدود هذا العمل وشروط نجاحه، وهو ما تتصدى له هذه الدراسة في السياق التايلاندي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى استكشاف كيفية عمل تقنية الميتافيرس عبر مراحل رحلة العميل الفيجيتالية في سياق السياحة التايلاندية، وإلى استخلاص إطار استراتيجي يحدد الأدوار البنيوية لهذه التقنية والآليات التي تعمل بها والترتيبات المؤسسية الداعمة لتبنيها المستدام، واعتمدت منهجًا نوعيًا استكشافيًا يقوم على المقابلات المتعمقة مع اثني عشر خبيرًا جرى اختيارهم من ثلاثة مجالات متكاملة هي الأوساط الأكاديمية المعنية بدراسات السياحة والتقنية، وقطاع تطوير الوسائط المتعددة المنتج للتجارب الرقمية الغامرة، وقطاع السياسات العامة المسؤول عن التخطيط السياحي والتحول الرقمي، ثم عولجت البيانات المجمعة بأسلوب التحليل الموضوعي التأملي الذي يتيح استنباط الأنماط والموضوعات من أقوال المشاركين بصورة مرنة ومنظمة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن الدور الأكثر أهمية من الناحية البنيوية للميتافيرس يتركز في مرحلة ما قبل الرحلة، إذ تعمل المعاينات الغامرة على إعادة معايرة مستويات الخطر المدرك لدى المسافر المحتمل، حين تمكنه من تقييم إمكانية الوصول إلى الوجهة وتوزيعها المكاني وظروفها البيئية تقييمًا مسبقًا قبل أن يلتزم بالحجز والإنفاق والسفر
2، بينت الدراسة أن معايرة الخطر المرحلية هذه تتم عبر ثلاث آليات مترابطة، أولها الربط الحسي الذي يجسر الفجوة بين التخيل والواقع بمنح المسافر إحساسًا قريبًا من الحضور في المكان، وثانيها التخفيف النفسي للخطر بما يبدد مشاعر القلق والغموض المرتبطة بالوجهات غير المألوفة، وثالثها اختبار الجدوى المادية الذي يتحقق من ملاءمة الوجهة للقدرات الجسدية والاحتياجات الخاصة، وتبرز قيمة هذه الآليات بوجه خاص لدى الوجهات السياحية الثانوية التي تفتقر إلى الشهرة، ولدى الفئات السكانية المتقدمة في العمر
3، قدمت الدراسة إطارًا معماريًا من أربع طبقات بوصفه توليفًا تفسيريًا للنتائج، ويؤدي الميتافيرس داخل هذا الإطار وظيفة طبقة المعاملات والتنسيق التي تدمج أنظمة الحجز والخدمات المعززة بالذكاء الاصطناعي وبيانات البنية التحتية اللحظية المستندة إلى تقنيتي إنترنت الأشياء وسلسلة الكتل، بما يجعل التجربة الافتراضية متصلة اتصالًا وثيقًا بالعمليات الفعلية للوجهة وخدماتها
4، أشارت النتائج إلى دور تمكيني محتمل للدولة بوصفها مهندسة للبنية التحتية، يتجلى في تطوير طريق رقمي وطني فائق السرعة يصل الوجهات والمنشآت، وفي إتاحة بيئات تنظيمية تجريبية آمنة تمكن المنشآت الصغيرة والمتوسطة من اختبار الحلول الرقمية دون أعباء تنظيمية خانقة، كما أكدت أن استدامة تبني الميتافيرس رهينة بإتاحة الوصول عبر الهواتف المحمولة دون اشتراط أجهزة متخصصة باهظة، بما يحد من الإقصاء الرقمي ويضمن شمول مختلف فئات المسافرين والمجتمعات المحلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات تطبيقية واسعة لإدارات الوجهات وشركات السياحة في العالم العربي، فالإطار المقترح يقدم خريطة طريق لتوظيف التقنيات الغامرة في الترويج للوجهات الثانوية والتراثية التي تزخر بها المنطقة العربية وتعاني في الوقت نفسه ضعف الظهور في الأسواق العالمية، كما يلفت إلى أن الاستثمار الناجح في الميتافيرس يبدأ من البنية التحتية والحوكمة ولا يقتصر على شراء التقنية ذاتها، وأن إشراك المنشآت الصغيرة والمتوسطة والمجتمعات المحلية شرط لأي تحول رقمي عادل ومستدام، ويجد الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا في هذه الدراسة نموذجًا تطبيقيًا لمنهجية التحليل الموضوعي التأملي، ومادة خصبة لدراسات مستقبلية حول التحول الرقمي السياحي في البيئات العربية
وخلاصة القول إن الدراسة ترجح كفة النظر إلى الميتافيرس امتدادًا فيجيتاليًا للسفر الفعلي لا بديلًا افتراضيًا عنه، فقيمته القصوى تتحقق حين يوظف في مرحلة ما قبل الرحلة لمعايرة التوقعات وبناء الثقة وتنسيق الخدمات، وحين يستند إلى بنية تحتية وطنية متينة وتنظيم مرن ووصول شامل عبر الأجهزة المحمولة، وعلى الوجهات العربية الطامحة إلى موقع متقدم في سياحة المستقبل أن تستلهم هذه الدروس وهي تصمم استراتيجياتها الرقمية، بحيث تجعل التقنية خادمة للتجربة الإنسانية الأصيلة لا منافسة لها








