تمهيد
تشهد منظومة الرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية تحولًا متسارعًا نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في التشخيص والعلاج بدفع من مستهدفات رؤية السعودية ألفين وثلاثين للتحول الرقمي الصحي، وأصبحت أدوات مثل مدققات الأعراض والأجهزة القابلة للارتداء ونماذج الذكاء الاصطناعي التحادثي بوابات أولى يلجأ إليها الأفراد قبل التوجه إلى المنشآت الصحية، غير أن نجاح هذا التحول لا يتوقف على كفاءة الخوارزميات وحدها بل على مدى انخراط المستخدمين فيها واعتمادهم عليها في قراراتهم الصحية، وهو انخراط تتشكل ملامحه بعوامل معقدة في مقدمتها الثقة، ومن هنا تنبع أهمية فهم أنماط استخدام هذه الأدوات ومتنبئاتها والعوامل الاجتماعية والسكانية المؤثرة فيها لفهم التحول الجاري نحو تشخيص شخصي تقوده التقنية، فالانتقال المتسارع من الاستشارة التقليدية إلى واجهات رقمية ذكية يعيد تشكيل علاقة المريض بالمنظومة الصحية ويطرح أسئلة جوهرية حول من يثق به الأفراد حين يتعلق الأمر بصحتهم، وحول الحدود الفاصلة بين التوجيه الآلي الأولي والتشخيص المهني الموثوق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى استقصاء أنماط الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الصحية ومتنبئاته ومحدداته الاجتماعية والسكانية، مع التركيز على كيفية تأثير الثقة في التحول نحو التشخيص الرقمي الشخصي، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا شمل ستمئة وسبعة وعشرين بالغًا في المملكة العربية السعودية جرى اختيارهم بأسلوب العينة الملائمة، وجمعت البيانات عبر استبانات إلكترونية حُللت ببرنامج إحصائي متخصص لتقييم تفاعل المستخدمين مع مدققات الأعراض والأجهزة القابلة للارتداء والذكاء الاصطناعي التوليدي، واستند التحليل إلى إطار متعدد الأبعاد يقدر كيفية تأثير الثقة والاعتماد في سلوكيات طلب الرعاية الصحية لدى الأفراد، وغطى الاستطلاع أبعادًا متصلة بتكرار الاستخدام وطبيعة الأدوات المفضلة والأغراض الصحية التي توظف فيها ومدى الاستعداد لاتباع توصياتها قبل مراجعة المنشآت الصحية أو بعدها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج عن مستوى مرتفع من الانخراط في أدوات الذكاء الاصطناعي الصحية، إذ يستخدمها أسبوعيًا ما نسبته 63.7 بالمئة من المستجيبين
2، شكل الذكاء الاصطناعي التحادثي ونماذج اللغة الكبيرة الواجهة الغالبة لاستخدامات المستجيبين بنسبة بلغت 92.2 بالمئة، وتعمل هذه الأدوات أساسًا بوابات أولى للتشخيص الشخصي بنسبة 71.6 بالمئة ولاقتراحات العلاج بنسبة 76.9 بالمئة قبل الاستشارات الرسمية
3، أثر النوع الاجتماعي تأثيرًا دالًا إحصائيًا في مدى الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ بلغت قيمة الدلالة المرتبطة به 0.0037
4، كانت الثقة هي المتنبئ الوحيد الدال إحصائيًا بالانخراط الكلي في الذكاء الاصطناعي الصحي، إذ جاءت قيمة دلالتها أقل من 0.0001
5، لم يظهر للعمر ولا للمستوى التعليمي ولا للدخل أثر إحصائي دال، إذ تجاوزت قيم الدلالة المرتبطة بها حد 0.05، بما يشير إلى تبنٍّ متقارب لهذه الأدوات عبر الفئات المختلفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن بناء ثقة المستخدمين وتعزيزها هو الشرط الأهم لنجاح تنفيذ حلول الرعاية الصحية الشخصية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، فحين تكون الثقة هي المتنبئ الأوحد بالانخراط متجاوزة العوامل الديموغرافية التقليدية، يصبح على مطوري الأنظمة الصحية الرقمية وجهات الحوكمة الاستثمار في الشفافية وجودة المخرجات وحماية الخصوصية وسهولة الاستخدام بوصفها مداخل مباشرة للتبني، إضافة إلى تدريب الكوادر الصحية على توجيه المرضى نحو استخدام آمن وواع لهذه الأدوات، وتقدم الدراسة للباحثين العرب في الصحة الرقمية وطلاب الدراسات العليا إطارًا لفهم قبول التقنية في سياق سعودي سريع التحول، وتفتح الباب لدراسات لاحقة تستقصي أبعاد الثقة ومصادرها وكيفية تشكلها لدى فئات المجتمع المختلفة وعلاقتها بسلامة القرارات الصحية المتخذة بناء على مخرجات الذكاء الاصطناعي
وخلاصة القول إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية الشخصية بالمملكة يتسع بوتيرة عالية ويتقدمه الذكاء الاصطناعي التحادثي بوابة أولى للتشخيص واقتراح العلاج، وإن الثقة تظل العامل الحاسم الذي يقرر انخراط المستخدمين في هذه الحلول، بما يجعل تنميتها والحفاظ عليها أولوية قصوى لكل جهة تطمح إلى نجاح التحول الرقمي الصحي








