تمهيد
يبلغ الانتشار العالمي لمرض الكبد الدهني غير الكحولي نحو 25 بالمئة حول العالم، وهو ما يجعله كارثة صحية فعلية آخذة في الاتساع بصمت، إذ يتطور المرض غالبا دون أعراض واضحة حتى مراحل متقدمة ترتبط بمضاعفات خطيرة، وتصبح معرفة الجمهور بطبيعة المرض وعوامل خطره وسبل الوقاية منه خط الدفاع الأول في مواجهته، فالسلوكيات الغذائية والنشاط البدني وإدارة الوزن قرارات يومية تتأثر بما يعرفه الناس وما يعتقدونه خطأ عن المرض، وتتضاعف أهمية قياس هذه المعرفة في المجتمعات العربية التي تشهد ارتفاعا في معدلات السمنة والسكري، وتأتي هذه الدراسة الاستكشافية لتقييم مستوى المعرفة المرتبطة بمرض الكبد الدهني غير الكحولي لدى عينة واسعة من المصريين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم المعرفة المرتبطة بمرض الكبد الدهني غير الكحولي لدى عينة من المصريين عبر دراسة استكشافية مقطعية شملت 3124 فردا، واستخدمت 2000 استبانة إلكترونية و1124 استبانة ورقية غطت الخصائص الاجتماعية والديموغرافية والمعرفة المرتبطة بالكبد الدهني، وتألفت الاستبانة من ثلاثين بندا توزعت على عشرة أسئلة حول التعريف والأعراض والمضاعفات، وأربعة عشر سؤالا حول عوامل الخطر، وستة أسئلة حول الوقاية والعلاج، وحللت البيانات ببرنامج الحزم الإحصائية للعلوم الاجتماعية، وعبر عن المتغيرات الفئوية بنسب مئوية وطبقت اختبارات مربع كاي وفيشر الدقيق بحسب الحال، بينما قورنت المتغيرات الكمية باختبارات ت ومان ويتني وكروسكال واليس وتحليل التباين، وهو تصميم يمنح صورة مقطعية واسعة عن خريطة المعرفة والفجوات فيها عبر فئات المجتمع المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كان أكثر من نصف المشاركين من الإناث بنسبة 57 بالمئة، وتراوحت أعمار 25 بالمئة منهم بين 18 و29 عاما، واعتقد 10.8 بالمئة من المشاركين أن مرضى الكبد الدهني لا تظهر عليهم أعراض، بينما عرف 34 بالمئة فقط أن المرض سببه تراكم الدهون في الكبد
2، سجلت أعلى نسب الإجابات الدقيقة في عوامل الخطر لفرط كوليسترول الدم بنسبة 60 بالمئة وزيادة الدهون في الغذاء بنسبة 54 بالمئة والسمنة بنسبة 46.6 بالمئة، وهو ما يعكس وعيا أفضل بالعوامل الغذائية والأيضية مقارنة بغيرها
3، اعتقد 89.3 بالمئة من المشاركين أن المرض يمكن الوقاية منه، وعرف 81.4 بالمئة منهم أن إنقاص الوزن يقي منه، غير أن جميع المشاركين دون استثناء أخطؤوا باعتقادهم أنه مرض عائلي مرتبط بالتقدم في العمر، ولم يعتقد 97.3 بالمئة منهم أن الكبد الدهني قابل للعلاج
4، أظهرت الإناث درجات أعلى بصورة دالة في تدابير الوقاية، بينما سجل الموظفون درجات أعلى بصورة دالة في المعرفة العامة بالكبد الدهني وعوامل خطره وتدابير الوقاية منه، وهو ما يشير إلى أثر التعليم والعمل في تشكيل الوعي الصحي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
خلصت الدراسة إلى أن المصريين يمتلكون معرفة مقبولة إلى متوسطة بالكبد الدهني وعوامل خطره وتدابير الوقاية منه وعلاجه رغم اتساع انتشار المرض، مع اعتقاد خاطئ موثق لدى جميع المستجيبين بأنه مرض يجري في العائلات ولا يحدث إلا في الشيخوخة، وهي فجوة معرفية قد تؤخر طلب الرعاية لدى الشباب المصابين، وتؤكد الدراسة ضرورة تحول جوهري في إدارة الرعاية الصحية يعطي الأولوية للوقاية والتدابير الاستباقية والكشف المبكر، وتفيد هذه الخلاصات مخططي التثقيف الصحي في مصر والعالم العربي وطلاب الدراسات العليا في الصحة العامة، إذ تحدد بدقة البنود المعرفية الأضعف التي ينبغي أن تستهدفها الحملات، كقابلية المرض للعلاج وحدوثه في الأعمار الشابة، وتبين فئات كالإناث والموظفين قنوات واعدة لنشر الوعي في المدارس والجامعات وأماكن العمل ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي المؤثرة في تشكيل السلوك الصحي اليومي
وخلاصة القول إن هذه الدراسة ترصد خريطة معرفة المصريين بمرض الكبد الدهني غير الكحولي فتجدها مقبولة إلى متوسطة مع مفاهيم خاطئة مؤثرة، وتدعو إلى إعادة ترتيب أولويات الرعاية الصحية نحو الوقاية والكشف المبكر وتصحيح الاعتقادات، بما يواجه مرضا يصيب ربع سكان العالم تقريبا ويتقدم بصمت دون أن يشعر كثير من المصابين به بخطورته المتزايدة على صحتهم وحياتهم








