تمهيد
يدمج كبار السن ممن تجاوزت أعمارهم الستين منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام بصورة متزايدة في مخزونهم المعلوماتي اليومي، غير أن ما يعرف فعليا عن كيفية تفاعلهم مع المعلومات التي يصادفونها في هذه المنصات ما يزال قليلا، فأدبيات الاستخدام الرقمي ركزت طويلا على الأجيال الأصغر، وافترضت ضمنا أن ممارسات كبار السن نسخة متأخرة من ممارسات الشباب، وهو افتراض يحتاج إلى فحص ميداني دقيق، فلهذه الفئة تنشئة إعلامية مختلفة وتجارب متراكمة مع وسائل تقليدية قد تشكل علاقتها بالمعلومة الرقمية على نحو مخصوص، وتسد هذه الدراسة هذه الفجوة بفحص ممارسات كبار السن في التصفح والاختيار والتفاعل أثناء استخدامهم وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات بما يشمل إيقاع تصفحهم ودوافع توقفهم عند محتوى دون آخر وحدود مشاركتهم له مع الآخرين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ممارسات التصفح والاختيار والتفاعل الشائعة لدى كبار السن حين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لأغراض معلوماتية، واعتمدت تصميما نوعيا مثلث الأساليب داخل المنهج الواحد يجمع بين ملاحظات قائمة على منبهات ومواجهة ذاتية ومقابلات شبه منظمة، وجنّد الباحثون 41 مستخدما ألمانيا لوسائل التواصل الاجتماعي ممن بلغت أعمارهم ستين عاما فأكثر، ولوحظ تفاعلهم مع موجز اجتماعي مخصص يعرض على كل مشارك بحسب اهتماماته، ثم طلب منهم التأمل في سلوكهم وشرحه في مقابلات لاحقة، وهو تصميم يتيح التقاط الممارسة أثناء وقوعها ثم الوصول إلى تعليلات أصحابها أنفسهم، بما يتجاوز حدود الاستبانات ذاتية التقرير التي قد لا تعكس السلوك الفعلي في بيئات مخصصة خوارزميا كهذه
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج عن مدى متنوع من الممارسات المعلوماتية لدى كبار السن، بعضها يماثل ما لوحظ لدى البالغين الأصغر مثل الالتقاط السريع للمعلومات على هيئة وجبات خفيفة متتابعة
2، اختلفت ممارسات أخرى اختلافا لافتا عن ممارسات الأجيال الأصغر، وأبرزها نزعة عامة نحو السلبية في التعامل مع المحتوى، إذ يكتفي كثير من كبار السن بالمشاهدة والقراءة دون تفاعل ظاهر بالإعجاب أو التعليق أو المشاركة
3، ناقشت الدراسة كيفية تشكل هذه الممارسات بتنشئة كبار السن الإعلامية، بما يفيد فهما سياقيا يربط السلوك الرقمي الراهن بتاريخ طويل من العلاقة بوسائل الإعلام التقليدية
4، أغنت الدراسة المفردات المفاهيمية لوصف ممارسات البالغين في وسائل التواصل الاجتماعي، وأبرزت منهجا ملائما لدراسة سلوك الاستخدام في بيئات إعلامية مخصصة يصعب رصدها بالاستبانات وحدها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تهم هذه النتائج الباحثين في دراسات الشيخوخة والاتصال الرقمي وطلاب الدراسات العليا، فهي تحذر من قراءة صمت كبار السن الرقمي بوصفه غيابا أو فقرا في الانخراط، إذ قد تكون السلبية الظاهرة أسلوب استهلاك معلوماتي مكتمل له منطقه وتنشئته، كما تفيد مصممي المنصات وصانعي المحتوى المعلوماتي الموجه إلى الجمهور الأكبر سنا في المجتمعات العربية التي تتزايد فيها نسبة مستخدمي التواصل الاجتماعي من كبار السن، إذ ينبغي تصميم تجارب قراءة مريحة ومحتوى موثوق واضح المصدر يخاطب هذه الفئة بوصفها جمهورا نشطا بطريقته، وتقدم الدراسة أخيرا نموذجا منهجيا للملاحظة المصحوبة بالمواجهة الذاتية يمكن تكييفه لدراسة ممارسات فئات عمرية واجتماعية متنوعة في البيئات المخصصة، وتفيد أسر كبار السن ومقدمي الرعاية في فهم أنماط استخدامهم الرقمية وتقديم دعم هادئ يحترم استقلاليتهم ويعزز أمانهم الرقمي دون مصادرة قرارهم أو التقليل من خبرتهم الحياتية الواسعة والمتراكمة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة ترسم صورة دقيقة لممارسات كبار السن المعلوماتية في وسائل التواصل الاجتماعي تجمع بين التصفح والاختيار والتفاعل الهادئ، وتبين تأثرها بتنشئتهم الإعلامية، بما يصحح افتراضات شائعة ويثري أدوات البحث في تقاطع التقنية الرقمية والشيخوخة، وتدعو إلى مزيد من الدراسات المقارنة عبر الثقافات والمجتمعات لاختبار مدى عمومية هذه الممارسات أو خصوصيتها بسياقاتها الاجتماعية والثقافية المختلفة








