تمهيد
تحتل تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات مكانة محورية في خطط التنمية والتنافسية العالمية، وتسعى الدول إلى رفع نسب الملتحقين بها وبناء قاعدة بشرية قادرة على قيادة اقتصادات المعرفة، غير أن الالتحاق وحده لا يكفي، فاستمرار الطلاب ونجاحهم في هذه المسارات الصعبة يتوقف على منظومة من العوامل تشمل الأفراد الداعمين والمهارات والقدرات والعوامل الدافعية، وفي رومانيا حيث تقف نسبة الملتحقين بهذه التخصصات عند 26 بالمئة من طلاب التعليم العالي مقابل متوسط أوروبي يبلغ 32 بالمئة، يصبح فهم العوامل التي تدعم انخراط الطلاب ونجاحهم أمرا حرجا، وتأتي هذه الدراسة لتسلط الضوء على الدوافع والرفاه والصور النمطية المرتبطة بالنوع في تشكيل نجاح الطلاب، وهي قضايا تتقاطع بقوة مع اهتمامات صناع التعليم العرب الساعين إلى توسيع قاعدة التخصصات العلمية والتقنية ورفع مشاركة الطالبات فيها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العوامل الجوهرية التي تدعم نجاح الطلاب في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات واستدامة انخراطهم فيها، واعتمدت منهجا مختلطا يجمع بين مراجعة الأدبيات وتطبيق الاستبانات وإجراء المقابلات، وشملت عينة مكونة من 548 طالبا في جامعة تقنية في بوخارست، وحللت البيانات الكمية بالإحصاءات الاستدلالية والبيانات النوعية بالترميز الموضوعي، بما أتاح تثليث الأدلة وتقاطع نتائج الأدوات المختلفة حول الدوافع والرفاه والتصورات النمطية المرتبطة بالنوع وعلاقتها باختيارات التخصص والاستمرار فيه
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن الدافعية الداخلية بنسبة 34.74 بالمئة والفرص المهنية بنسبة 36.16 بالمئة تشكلان الدافعين الرئيسيين وراء اختيارات الطلاب لتخصصاتهم، فيتوازن في قرار الطالب بين شغفه الذاتي وحساباته لسوق العمل
2، تبين أن 71.39 بالمئة من الطلاب يربطون الانخراط في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات بتعزيز الرفاه، بما يشير إلى أن هذه المسارات تمنح غالبية دارسيها شعورا إيجابيا بالرضا والإنجاز
3، كشفت النتائج أن 42.8 بالمئة من الطلاب يدركون وجود صور نمطية مرتبطة بالنوع في هذه التخصصات، وأفادت الفتيات بتأثر أكبر بهذه الصور مقارنة بزملائهن، وهو ما يسلط الضوء على عبء ثقافي ما يزال يعيق تكافؤ الفرص
4، أبرز تقاطع البيانات حاجة واضحة إلى الإرشاد الأكاديمي والموارد الرقمية والسياسات الشاملة لدعم طموحات رومانيا في هذه التخصصات، فالعوامل الداعمة المؤسسية لا تقل أهمية عن دوافع الطلاب الفردية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة، رغم اقتصارها على مؤسسة واحدة، رؤى نافعة للمعلمين وصناع السياسات الراغبين في تعزيز تعليم عادل في العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، إذ توجه الجامعات إلى الاستثمار في منظومات الإرشاد والتوجيه المبكر، وتوفير موارد رقمية حديثة، وتبني سياسات شاملة تفكك الصور النمطية المرتبطة بالنوع وتدعم الطالبات خصوصا، كما تنبه إلى أن الترويج لهذه التخصصات يكون أكثر فاعلية حين يخاطب الدافعية الداخلية والفرص المهنية معا ويبرز أثرها الإيجابي في رفاه الطلاب، وتفيد هذه الخلاصات الجامعات العربية والباحثين العرب في علم الاجتماع التربوي، إذ تتشابه التحديات في استقطاب الطلاب والطالبات إلى المسارات العلمية والتقنية، وتدعو إلى دراسات عربية مقارنة تختبر وزن هذه العوامل في البيئات الجامعية العربية وتفضي إلى سياسات أدق في التوجيه والقبول والدعم
كما تمنح الدراسة صانعي السياسات التعليمية أساسا لتقدير حجم الفجوة بين بلادهم والمتوسطات الدولية في الالتحاق بالتخصصات العلمية والتقنية بوصفها فجوة ثقافية ودافعية بقدر ما هي فجوة موارد، فعالجها يستلزم حملات توعية مبكرة في المدارس ونماذج ملهمة من العلماء والمهندسين وقدوات نسائية في المجالات التقنية، وشراكات بين الجامعات وقطاعات الصناعة تظهر للطلاب مصائر مهنية ملموسة لتخصصاتهم، وبهذا المعنى تصبح زيادة الالتحاق مشروعا مجتمعيا متكاملا لا قرارا إداريا يصدر من أعلى فحسب
وخلاصة القول إن نجاح الطلاب في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات ليس ثمرة القدرة الأكاديمية وحدها، بل نتاج تفاعل بين شغف داخلي وفرص مهنية واعدة وبيئة داعمة عادلة تحرر الطلاب والطالبات من قيود الصور النمطية، وبذلك تقدم هذه الدراسة الرومانية مرآة مفيدة لكل نظام تعليمي، ومنه الأنظمة العربية، يطمح إلى بناء أجيال علمية أوسع قاعدة وأرسخ استمرارا








