تمهيد
مع تسارع اندماج الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل المعاصرة حظي خطر استبدال المهن البشرية بهذه التقنيات باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية والإدارية، غير أن الآليات الكامنة التي تربط إدراك الموظفين لهذا الخطر بسلوكياتهم الفعلية داخل المنظمات، ولا سيما سلوكيات الانسحاب المتمثلة في تدني الانخراط والرغبة في ترك العمل والتهرب من متطلباته، ما تزال غير مستكشفة بما يكفي، ويمثل مفهوم تهديد الهوية مدخلًا تفسيريًا واعدًا في هذا السياق، إذ لا يواجه الموظف خطر فقدان مصدر دخله فحسب بل يواجه تهديدًا لصورته عن ذاته المهنية ولقيمة ما يؤديه من عمل تراكم عبر سنوات من الخبرة والتكوين، وهو ما يجعل الاستجابات للذكاء الاصطناعي في العمل ظاهرة نفسية وتنظيمية مركبة تتجاوز البعد التقني إلى أعماق تجربة العمل الإنسانية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تفسير أثر إدراك خطر الاستبدال المهني بالذكاء الاصطناعي في سلوك الانسحاب لدى الموظفين، مستعينة بنظرية تهديد الهوية ونظرية تجنب التهديد التقني في بناء نموذج نظري يتضمن الهوية المهنية ومعنى العمل وانعدام الأمن الوظيفي وسائط وسيطة، والكفاءة الذاتية التقنية متغيرًا معدِّلًا، وأجريت دراستان متكاملتان لاختبار النموذج، إذ طوّرت الدراسة الأولى مقياسًا لإدراك خطر الاستبدال المهني الناجم عن الذكاء الاصطناعي وتحقق من خصائصه السيكومترية، بينما استخدمت الدراسة الثانية تصميمًا مسحيًا بثلاث موجات زمنية متتابعة يفصل زمنيًا بين قياس المتغيرات، وهو تصميم يقوي الاستدلال مقارنة بالمسوح اللحظية، وتنطوي هذه الدراسة على قيمة منهجية لطلاب الدراسات العليا في علم النفس التنظيمي وإدارة الموارد البشرية من حيث الجمع بين بناء الأدوات واختبار النماذج الوسيطة والمعدِّلة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبط إدراك خطر الاستبدال المهني بالذكاء الاصطناعي بسلوك الانسحاب لدى الموظفين عبر مسار انخفاض الهوية المهنية، فحين يشعر الموظف بأن مهنته مهددة يتراجع ارتباطه بذاته المهنية واعتزازه بها فينعكس ذلك انسحابًا من العمل
2، مر الارتباط أيضًا عبر انخفاض إحساس الموظف بمعنى عمله، إذ يضعف الاستبدال المحتمل قناعة الموظف بقيمة ما يؤديه وجدواه، فيتحول العمل من نشاط ذي مغزى إلى عبء يومي يدفع نحو الانفصال النفسي والسلوكي
3، أسهم ارتفاع انعدام الأمن الوظيفي في نقل الأثر ذاته، فإدراك الخطر يغذي قلق الموظف على استمرارية وظيفته واستقراره المهني، وهو قلق يقترن بدوره بميول الانسحاب المتعددة الصور
4، أظهرت النتائج أن الآثار غير المباشرة جميعها كانت أضعف لدى الموظفين ذوي الكفاءة الذاتية التقنية المرتفعة، بما يعني أن ثقة الموظف بقدرته على التعامل مع التقنيات الحديثة وتوظيفها تعمل عامل حماية يخفف من وقع تهديد الاستبدال على هويته وسلوكه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف الدراسة عن الصندوق الأسود الذي يربط إدراك خطر الذكاء الاصطناعي باستجابات الموظفين، إذ تبين أن القضية ليست اقتصادية أو تقنية فحسب بل هوياتية ونفسية في جوهرها، ولهذه النتيجة تطبيقات إدارية مهمة، فبدلًا من الاكتفاء بتطمين الموظفين على وظائفهم ينبغي للمنظمات أن تصمم عمليات التحول الرقمي بما يحفظ الهوية المهنية للعاملين ويبرز القيمة الإنسانية المضافة في أعمالهم، وأن تستثمر في رفع الكفاءة الذاتية التقنية عبر التدريب المستمر بوصفها موردًا نفسيًا واقيًا، وتكتسب هذه الدلالات أهمية خاصة في البيئات العربية التي تشهد برامج تحول رقمي واسعة ومبادرات طموحة لتوطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ يحتاج الباحثون العرب إلى فحص هذه الآليات في سياقات تنظيمية محلية تراعي طبيعة علاقات العمل والثقافة المؤسسية السائدة، كما تقدم الدراسة إسهامًا نظريًا بدمجها منظور تهديد الهوية مع نظرية تجنب التهديد التقني في نموذج واحد قابل للاختبار والتطوير
وخلاصة القول إن إدراك خطر الاستبدال بالذكاء الاصطناعي يقود إلى الانسحاب من العمل حين يمس الهوية المهنية للموظف ومعنى عمله وشعوره بالأمن الوظيفي، وأن بناء الكفاءة التقنية لدى العاملين وإدارة التحول الرقمي بحساسية نفسية وتنظيمية كفيلان بتخفيف هذه الآثار، وهو ما يجعل الدراسة مرجعًا مفيدًا للباحثين في سلوك المنظمات وللقائمين على سياسات التحول الرقمي في مؤسساتنا العربية








