تمهيد
أصبحت مشاهدة الحفلات الموسيقية الافتراضية الغامرة صورة متنامية الأهمية من صور التجربة الموسيقية الرقمية، إذ تتيح تقنيات الواقع الافتراضي للجمهور حضور العروض الحية من أي مكان مع إحساس قوي بالوجود داخل فضاء الحفل، غير أن العمليات النفسية الكامنة وراء استجابات الجمهور في هذه البيئات ما تزال غير مفهومة بما يكفي، ويبرز في هذا السياق مفهوم الحضور الاجتماعي بوصفه إحساس المشاهد بأنه يشارك التجربة مع آخرين ويتفاعل معهم ومع المؤدين رغم غياب الحضور الجسدي المشترك، وهو مفهوم محوري في دراسات الإعلام الرقمي وعلم نفس التفاعل بين الإنسان والتقنية، وتكتسب دراسته أهمية خاصة مع توسع صناعة الترفيه الغامر وتنافس المنصات على تقديم تجارب أكثر واقعية وتفاعلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا كان الحضور الاجتماعي يفسر إحصائيًا الفروق في استجابات الجمهور بين نمطين من مشاهدة الحفلات، واعتمدت تجربة مخبرية شارك فيها 240 مشاركًا تراوحت أعمارهم بين 18 و30 عامًا وُزعوا عشوائيًا على شرطين، شرط الحفلة الافتراضية الغامرة وشرط فيديو الحفلة القياسي ثنائي الأبعاد، وبعد مشاهدة مقطع من حفلة مدته أربع دقائق استكمل المشاركون مقاييس للإحساس بالانغماس والحضور الاجتماعي والمتعة والاستثارة الانفعالية والانتماء الناشئ للفنان بوصفهم من معجبيه، وحللت الدراسة الآثار غير المباشرة باستخدام أسلوب إعادة المعاينة الإحصائية، ويمنح التصميم التجريبي بالتوزيع العشوائي الدراسة قوة منهجية في المقارنة بين الشرطين، كما يجعلها نموذجًا مفيدًا لطلاب الدراسات العليا الراغبين في دراسة العمليات الوسيطة في بيئات الوسائط الغامرة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أنتج شرط الحفلة الافتراضية الغامرة مستويات أعلى بدلالة إحصائية من الانغماس المدرك والحضور الاجتماعي مقارنة بشرط الفيديو القياسي، بما يؤكد أن البيئة الغامرة تعزز إحساس المشاهد بالمشاركة الوجدانية والاجتماعية في الحدث
2، ارتبط الحضور الاجتماعي ارتباطًا إيجابيًا بكل من متعة المشاهدة والاستثارة الانفعالية والانتماء الناشئ للفنان، فكلما ازداد إحساس المشاهد بوجود الآخرين ومشاركتهم ازدادت استمتاعه وتفاعله الانفعالي وقربه من المؤدي
3، أظهرت تحليلات الآثار غير المباشرة وجود آثار غير مباشرة دالة إحصائيًا بين شرط المشاهدة والنتائج الثلاث جميعها عبر الحضور الاجتماعي، بما يدعم دوره بوصفه قناة نفسية تنتقل عبرها مزايا التجربة الغامرة إلى استجابات الجمهور
4، نبهت الدراسة في المقابل إلى حدود هذا الاستنتاج، إذ جمعت الشروط التجريبية بين فروق تقنية متعددة ولم يجر التلاعب بالحضور الاجتماعي على نحو مستقل، فلا يصح تفسير النتائج بوصفها عزلًا لسمة تقنية بعينها أو إثباتًا لآلية وساطة سببية مكتملة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم النتائج دليلًا أوليًا على أن الحضور الاجتماعي يرتبط بتعزيز استجابات الجمهور في تجارب الحفلات الغامرة وجيزة المدة، وهو ما يحمل دلالات عملية لمصممي منصات الترفيه الافتراضي ومنظمي الفعاليات الرقمية، إذ يمكن تعزيز الإحساس بالحضور المشترك عبر مؤشرات اجتماعية مصممة بعناية مثل إظهار تفاعلات الجمهور الافتراضي وحضوره الرمزي، كما تفتح الدراسة آفاقًا بحثية للباحثين العرب في ظل تسارع الاستثمار في الفعاليات الترفيهية والثقافية الرقمية في المنطقة العربية، إذ تبرز الحاجة إلى دراسات تفحص تجربة الجمهور العربي مع المحتوى الغامر وتراعي خصوصيته الثقافية وأنماط تفاعله الاجتماعي وتفضيلاته الموسيقية، وتستكشف أثر المتغيرات الفردية كالانبساطية والخبرة التقنية السابقة في تشكيل إحساسه بالحضور الاجتماعي، مع التنبه إلى أن قصر مدة التعرض في التجربة وضيق الفئة العمرية للعينة يحدان من تعميم النتائج على تجارب مشاهدة أطول وجماهير أوسع، ويدعوان إلى دراسات ميدانية وطولية لاحقة تختبر هذه العلاقات في سياقات مشاهدة طبيعية ممتدة زمنيًا
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تسلط الضوء على الحضور الاجتماعي بوصفه مكونًا نفسيًا مركزيًا في تجربة الحفلات الافتراضية الغامرة، إذ ارتبط بارتفاع متعة الجمهور واستثارته الانفعالية وانتمائه الناشئ للفنان، وهو ما يوجه أنظار الباحثين والممارسين إلى أن نجاح التجارب الغامرة لا يتوقف على جودة الصورة والصوت وحدهما بل على نجاح البيئة الرقمية في توليد إحساس حقيقي بالمشاركة الاجتماعية لدى جمهورها








