تمهيد
يُعد التحيز العمري من الظواهر النفسية والاجتماعية التي تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات العلمية، إذ يشير إلى الاتجاهات والأحكام المسبقة التي توجَّه نحو الأفراد استنادًا إلى أعمارهم، ويتجلى بصورة خاصة تجاه كبار السن في صورتين متباينتين، صورة عدائية تتمثل في الازدراء والرفض والتهميش، وصورة تبدو خيّرة في ظاهرها لكنها تنطوي على وصاية مفرطة ونظرة مغلفة بالشفقة قد تمس استقلالية كبير السن وكرامته، وقد اكتسب هذا الموضوع أهمية مضاعفة خلال جائحة كورونا، إذ ترافقت الجائحة مع ضغوط اجتماعية وانفعالية واسعة النطاق ومع رسائل متكررة صوّرت كبار السن بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة وعرضة للخطر، وهو تصوير قد يرسّخ اتجاهات متحيزة حتى وإن جاء في سياق الحماية والرعاية، وتتقاطع هذه القضية مع اهتمامات مركزية في علم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشيخوخة ودراسات الصحة العامة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث العوامل المرتبطة بالتحيز العمري تجاه كبار السن خلال الجائحة، وفحص التغيرات المدركة في التكيف الانفعالي واتجاهات المقيمين في أستراليا وخبراتهم نحو كبار السن، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا ارتباطيًا عبر استبانة إلكترونية، وشارك فيها 273 مقيمًا أستراليًا تراوحت أعمارهم بين 19 و82 عامًا بمتوسط عمري مقداره 40.73 عامًا، واستجاب المشاركون لمقاييس راسخة وأخرى مستحدثة قاست التحيز العمري بصورتيه العدائية والخيّرة وتوقعات الشيخوخة وجودة التواصل مع كبار السن في سياق الجائحة وملامح التكيف الانفعالي، ويتيح هذا التصميم رصد الارتباطات بين المتغيرات في لحظة زمنية محددة، ويمثل مدخلًا وصفيًا مناسبًا لموضوع حديث نسبيًا ما تزال أدلته التجريبية في طور التراكم، كما يفيد الباحثين في توليد فرضيات قابلة للاختبار في دراسات لاحقة أكثر ضبطًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لم يظهر ارتباط بين التكيف الانفعالي والمعتقدات المتحيزة عمريًا، بما يعني أن شعور الفرد بقدرته على التعامل الانفعالي مع ضغوط الجائحة لم يقترن بمستوى تحيزه نحو كبار السن في هذه العينة
2، ارتبطت توقعات الشيخوخة الأكثر إيجابية بانخفاض التحيز العمري العدائي، بينما لم ترتبط بالتحيز الخيّر، وهو ما يشير إلى أن الصورة الذهنية التي يحملها الفرد عن مرحلة الشيخوخة ذاتها تتصل بمواقفه الصريحة الرافضة لكبار السن أكثر من اتصالها بالمواقف الوصائية
3، ارتبط التواصل الإيجابي مع كبار السن بانخفاض التحيز العدائي وبارتفاع التحيز الخيّر، أي إن الاحتكاك المريح والداعم بكبار السن خفف المواقف العدائية وإن ظل مقترنًا بقدر من النظرة الوصائية نحوهم
4، أظهر التواصل السلبي مع كبار السن النمط المعاكس تمامًا، إذ اقترن بارتفاع التحيز العدائي وانخفاض التحيز الخيّر، بما يؤكد أن نوعية الخبرة التواصلية لا مجرد حدوث التواصل هي العامل الحاسم في تشكيل الاتجاهات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير نتائج الدراسة إلى أن الرسائل التي صوّرت كبار السن بوصفهم فئة هشاشة خلال الجائحة عكست اتجاهات راسخة أصلًا تجاه كبار السن في المجتمع الأسترالي، وتبرز أهمية الانتباه إلى جودة التواصل بين الأجيال وطبيعته عند تصميم استراتيجيات الحد من التحيز العمري، فبرامج التواصل بين الأجيال التي تكتفي بجمع الفئات العمرية دون تهيئة خبرات إيجابية متكافئة قد لا تحقق أثرها المنشود وربما عززت الصور النمطية، ولهذه الدلالات صدى واضح في السياقات العربية التي تشهد تحولات ديموغرافية متسارعة وارتفاعًا في متوسط الأعمار، إذ يمكن للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الاستفادة من إطار الدراسة وأدواتها في فحص الاتجاهات نحو كبار السن في مجتمعاتنا، ولا سيما في ظل تقاليد أسرية تقدّر كبار السن من جهة وضغوط تحديث متسارعة من جهة أخرى، مع ضرورة تكييف المقاييس ثقافيًا والتحقق من خصائصها السيكومترية قبل استخدامها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلًا على أن التحيز العمري خلال الأزمات الصحية لا يرتبط بقدرة الأفراد على التكيف الانفعالي بقدر ما يرتبط بصورهم الذهنية عن الشيخوخة وبنوعية تواصلهم الفعلي مع كبار السن، وهو ما يجعل تحسين جودة التواصل بين الأجيال وتصحيح الرسائل الإعلامية عن الشيخوخة مدخلين عمليين للحد من هذا التحيز، ويفتح الباب أمام دراسات عربية وطولية تتعقب هذه الاتجاهات عبر الزمن وتختبر فاعلية التدخلات المصممة لتغييرها








