تمهيد
يقوّض هدر الطعام أبعاد الأمن الغذائي الأربعة، وهي التوافر وإمكانية الوصول والاستفادة والاستقرار، ويفرض في الوقت ذاته آثارًا اقتصادية واجتماعية وبيئية سلبية على نظم الغذاء المستدامة، إذ تُهدر موارد مائية وطاقة وعمل بشري في إنتاج غذاء لا يُستهلك في النهاية، وتتفاقم المشكلة في المجتمعات ذات الأنماط الاستهلاكية السخية والمناسبات الاجتماعية الكثيفة التي يتضاعف فيها إعداد الطعام عن الحاجة الفعلية
وتكتسب دراسة محددات سلوك ترشيد استهلاك الغذاء أهمية خاصة في المملكة العربية السعودية التي تولي الأمن الغذائي واستدامة الموارد مكانة مركزية في خططها التنموية، ويحتاج الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا في مجالات البيئة والاقتصاد المنزلي والسياسات العامة إلى أدلة تجريبية محلية تبين كيف يتحول الوعي إلى ممارسة فعلية داخل الأسرة، وهي الفجوة التي تسعى هذه الدراسة إلى معالجتها من منظور معرفي يربط بين الوعي والمعرفة والسلوك
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص سلوكيات هدر الطعام المنزلي ضمن إطار معرفي يدمج ثلاثة مكونات مترابطة، هي الوعي بآثار هدر الطعام، والمعرفة السلوكية بممارسات الحد من الهدر، والانخراط الفعلي في استراتيجيات الترشيد، وجمعت البيانات من 255 أسرة في مدينة بريدة بنسبة استجابة بلغت 66 بالمئة عبر استبانة إلكترونية طُبقت في المراكز التجارية، واستخدمت الدراسة تحليل الوساطة وفق منهجية بارون وكيني والانحدار الخطي المتعدد لاختبار العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين مكونات الإطار المعرفي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أثر الوعي بآثار هدر الطعام في ممارسات الترشيد تأثيرًا مباشرًا دالًا إحصائيًا بلغ معامل مساره 0.132 عند مستوى دلالة أقل من 0.001، بما يعني أن إدراك الأسرة لما يترتب على الهدر من خسائر اقتصادية وبيئية واجتماعية يدفعها مباشرة إلى تبني سلوكيات أكثر ترشيدًا في الشراء والتخزين والاستهلاك
2، مارس الوعي تأثيرًا غير مباشر في ممارسات الترشيد عبر المعرفة السلوكية، إذ بلغت نسبة الأثر الذي يمر عبر هذه الوساطة 68.6 بالمئة من الأثر الكلي، وهو ما يبرز أن المعرفة العملية بكيفية الحد من الهدر، كتخطيط الوجبات وإدارة المخزون المنزلي وإعادة توظيف الفوائض، هي القناة الأقوى التي يتحول عبرها الوعي العام إلى سلوك فعلي
3، فسرت أبعاد المعرفة مجتمعة ما نسبته 74.9 بالمئة من التباين في سلوكيات الترشيد المنزلي، إذ بلغ معامل التحديد 0.749، وهي نسبة تفسير مرتفعة تشير إلى أن بناء التدخلات على المعرفة بأنواعها المختلفة، الوعي بالآثار والمعرفة الإجرائية معًا، يغطي الجانب الأكبر من العوامل المحركة لسلوك الأسرة تجاه الغذاء
4، أكدت النتائج قيام مسار وساطة واضح بين الوعي والمعرفة السلوكية والممارسة، وتفاعلًا جوهريًا بين الوعي بالآثار والمعرفة السلوكية العملية في دفع ممارسات استهلاك الغذاء المستدامة، فلا يكفي أن تعرف الأسرة أن الهدر ضار ما لم تمتلك في الوقت نفسه المعارف الإجرائية التي تجعل الترشيد ممكنًا وسهل التطبيق في حياتها اليومية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم النتائج إرشادات تجريبية لصانعي السياسات والجهات المعنية بالأمن الغذائي والبيئة في المملكة، إذ تدعو إلى تصميم تدخلات مستهدفة تدمج بين رسائل التوعية بالآثار والتدريب السلوكي العملي في حزمة واحدة، بدل الاكتفاء بحملات توعية نظرية قد ترفع الوعي دون أن تغير السلوك، كما يمكن للمدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أن تضطلع بأدوار تكميلية في بناء المعرفة الإجرائية لدى الأسر، وتفيد الدراسة الباحثين بوصفها نموذجًا تطبيقيًا لتحليل الوساطة في قضايا سلوكية بيئية، وتدعو إلى توسيع الفحص ليشمل مدنًا ومناطق أخرى ومتغيرات اجتماعية واقتصادية إضافية قد تعدل قوة هذه العلاقات
وخلاصة القول، إن الحد من هدر الطعام في الأسر السعودية يبدأ من المعرفة وينضج عبرها، فالوعي بآثار الهدر يتحرك بقوة أكبر حين يقترن بمعرفة سلوكية عملية تمكن الأسرة من الترشيد الفعلي، ومن ثم فإن الاستثمار في التعليم الغذائي التطبيقي ورسائل التوعية المصممة جيدًا يمثل مدخلًا واعدًا لتعزيز الأمن الغذائي واستدامة الموارد في المملكة








