تمهيد
تتصدر أمراض القلب والأوعية الدموية أسباب الوفاة في المملكة العربية السعودية وفي العالم، وتمثل عبئًا صحيًا واقتصاديًا متناميًا على النظم الصحية والأسر والمجتمعات، وتعد معرفة الجمهور بعوامل خطر هذه الأمراض وعلاماتها التحذيرية ركيزة أساسية في الكشف المبكر والوقاية الأولية، فكلما أدرك الفرد عوامل الخطر القابلة للتعديل في نمط حياته وتعرف على العلامات المنذرة التي تستدعي طلب الرعاية العاجلة ازدادت فرص تجنب المضاعفات الخطيرة كالجلطات القلبية والسكتات الدماغية، ومن هنا تأتي أهمية قياس مستوى هذه المعرفة في المناطق المختلفة لتوجيه برامج التثقيف الصحي، وهو ما قامت به هذه الدراسة في منطقة جازان جنوب المملكة مستكشفة مستوى معرفة البالغين فيها ومحدداتها الديموغرافية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم معرفة البالغين في منطقة جازان بعوامل خطر أمراض القلب والأوعية الدموية وعلاماتها التحذيرية وتحديد المتنبئات الديموغرافية لهذه المعرفة، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا شمل 382 مشاركًا من البالغين في سن الثامنة عشرة فأكثر خلال الفترة من فبراير إلى أبريل من عام 2025، واستخدمت استبانة مقتبسة من أدوات موثوقة سابقة قاست الوعي العام بالأمراض القلبية الوعائية والمعرفة بأحد عشر عامل خطر وعشر علامات تحذيرية إضافة إلى التصورات والممارسات، وحسبت درجة المعرفة الكلية من 21 درجة وصنفت المعرفة كافية عند بلوغ ثماني درجات فأكثر وجيدة عند بلوغ خمس عشرة درجة فأكثر، وحللت البيانات باختباري مان ويتني وكروسكال واليس للتحليل الثنائي ثم بالانحدار اللوجستي الثنائي لتحديد المتنبئات المستقلة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، سمع 89.5 في المئة من المشاركين بأمراض القلب والأوعية الدموية من قبل، ومع ذلك كانت معرفة 53.7 في المئة منهم غير كافية، ولم يظهر سوى 9.9 في المئة منهم معرفة جيدة، وبلغ وسيط درجة المعرفة الكلية سبع درجات من أصل إحدى وعشرين درجة
2، جاءت المعرفة بالعلامات التحذيرية أضعف من المعرفة بعوامل الخطر، إذ بلغت درجتها 2.96 من عشر درجات مقابل 3.95 من إحدى عشرة درجة لعوامل الخطر
3، كانت أكثر عوامل الخطر تعرفًا لدى المشاركين هي زيادة الوزن والسمنة بنسبة 52.6 في المئة، يليها ارتفاع ضغط الدم بنسبة 51.3 في المئة، ثم التدخين بنسبة 49.5 في المئة
4، كانت أكثر العلامات التحذيرية تعرفًا هي ألم الصدر بنسبة 47.6 في المئة وضيق التنفس بنسبة 46.1 في المئة، بينما ظلت علامات أخرى أقل حضورًا في وعي المشاركين
5، كان التعليم الجامعي والتاريخ العائلي للأمراض المزمنة هما المتنبئين المستقلين الوحيدين بالمعرفة الكافية، إذ بلغت نسبة الأرجحية المعدلة للتعليم الجامعي 2.44 بفاصل ثقة 95 في المئة تراوح بين 1.23 و4.85، وبلغت للتاريخ العائلي 2.26 بفاصل ثقة تراوح بين 1.32 و3.85، وكان الارتباطان دالين إحصائيًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف هذه النتائج عن فجوة واضحة بين الوعي العام السطحي بأمراض القلب والأوعية الدموية وبين المعرفة التفصيلية القابلة للتحول إلى سلوك وقائي، فأكثر من نصف البالغين في منطقة جازان لا يمتلكون معرفة كافية بعوامل الخطر والعلامات التحذيرية رغم انتشار هذه الأمراض وخطورتها، وتشير الدراسة إلى أن برامج تثقيف مستهدفة تستخدم المنصات الرقمية ومقدمي الرعاية الصحية الأولية قد تساعد في رفع هذه المعرفة في المنطقة، خاصة لدى الفئات الأقل تعليمًا ومن لا يملكون تاريخًا عائليًا للأمراض المزمنة، وتقدم الدراسة للباحثين العرب نموذجًا منهجيًا قابلًا للتكرار في مناطق أخرى لبناء خريطة وطنية لمعرفة الجمهور الصحي وتوجيه حملات التوعية بناء على أدلة محلية دقيقة بدل التعميمات، ويمكن البناء على هذه النتائج في تصميم رسائل توعية مرئية قصيرة تصل إلى الجمهور عبر شاشات المرافق الصحية ووسائل التواصل الاجتماعي وتركز على العلامات التحذيرية الأقل تعرفًا لدى الجمهور وعلى عوامل الخطر الصامتة التي لا يشعر بها الفرد عادة
وخلاصة القول إن معرفة البالغين في منطقة جازان بعوامل خطر أمراض القلب وعلاماتها التحذيرية ما تزال دون المستوى المأمول رغم ارتفاع الوعي العام بوجودها، وإن الاستثمار في التثقيف الصحي المستهدف عبر القنوات الرقمية والرعاية الأولية يمثل خطوة عملية لسد هذه الفجوة وتعزيز الوقاية المجتمعية








