تمهيد
في زمن تتنامى فيه المخاوف بشأن الدقة الوقائعية في المجال العام وتتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الإعلامية التقليدية، برزت وسائل الإعلام البديلة بوصفها وجهًا مقابلًا للإعلام الجماهيري التقليدي ونقيضًا مدعومًا بجمهور آخذ في الاتساع، ففي ألمانيا مثلًا تلبي منافذ عديدة لا توجد إلا عبر الإنترنت حاجات جمهور متنامٍ، مدفوعة بأهداف ومعايير وهياكل تمويل متميزة عما تصفه هذه المنافذ بإعلام النخبة، وتعد المنصات الرقمية عاملًا حيويًا في نجاح هذا الإعلام البديل، إذ تتيح له نمو الجمهور بأدنى استثمار مالي وتجاوز آليات النقد والتحقق التي تفرضها الأنظمة الإعلامية التقليدية على المحتوى قبل وصوله إلى الجمهور، غير أن وصول هذه المنافذ يظل معتمدًا في جوهره على قيام المتابعين بمشاركة المحتوى وعلى استثمار أثر الشبكة الاجتماعية في تضخيم المعلومات المتخصصة وتدويرها، ومع ذلك ما تزال عادات المشاركة لدى جمهور الأخبار البديلة قليلة الدراسة في الأدبيات، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في دراسات الإعلام الرقمي وعلم اجتماع المنصات ممن يتتبعون تحولات النظم الإعلامية وصعود الفاعلين الجدد فيها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على بيانات مسحية أصلية جُمعت في شهر سبتمبر من عام 2023 من أكثر من ألفي مستخدم ألماني للأخبار البديلة، وسعت إلى استكشاف ما إذا كانت أنماط سلوك هذا الجمهور تدفع صعود الإعلام البديل بوصفه ثقلًا موازيًا للصحافة الراسخة في النظام الإعلامي الألماني، وتناولت الدراسة بالفحص نشاط المشاركة الفعلي لدى المستخدمين ومعدلات تفاعلهم مع محتوى المنافذ البديلة عبر المنصات الرقمية، وبحثت في دوافعهم لمشاركة الأخبار أو الإحجام عن مشاركتها على السواء، واستقصت المتنبئات الاجتماعية الديموغرافية والأيديولوجية التي ترتبط بمشاركة الأخبار البديلة، بما يربط سلوك النشر الرقمي بالخصائص الاجتماعية والمواقف الفكرية للجمهور، واستهدفت الدراسة من ذلك كله سد الفجوة البحثية القائمة حول جمهور الإعلام البديل بوصفه فاعلًا نشطًا في توزيع المحتوى لا مجرد متلقٍ سلبي له، وفهم الدور الذي تؤديه المنصات الرقمية في تحويل هذا الجمهور إلى شبكة توزيع بشرية توسع مدى الأخبار البديلة وتعمق حضورها في المجال العام
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تقدم الدراسة واحدة من أوسع قواعد البيانات المسحية الأصلية حول جمهور الأخبار البديلة، إذ غطت أكثر من ألفي مستخدم في ألمانيا، بما يملأ فراغًا بحثيًا واضحًا في فهم سلوك هذا الجمهور الذي ظل قليل التناول في الأدبيات
2، يتمحور التحليل حول نشاط المشاركة الفعلي لدى المستخدمين بوصفه الآلية المركزية التي يتحول بها متابعو المنافذ البديلة إلى قنوات توزيع نشطة تضخم وصول المحتوى عبر أثر الشبكة على المنصات الرقمية
3، تفحص الدراسة دوافع المشاركة والإحجام عنها معًا، انطلاقًا من أن فهم أسباب الامتناع عن النشر لا يقل أهمية عن فهم أسباب النشر في تفسير كيفية انتشار الأخبار البديلة وحدود هذا الانتشار
4، تختبر الدراسة المتنبئات الاجتماعية الديموغرافية والأيديولوجية لسلوك المشاركة، بما يصل خصائص الجمهور الاجتماعية ومواقفه الفكرية بقراراته اليومية في تدوير الأخبار البديلة أو حجبها عن شبكاته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه الدراسة أن معركة الحضور في المجال العام الرقمي لم تعد تُحسم داخل غرف الأخبار وحدها، بل في شبكات المتابعين الذين يعيدون توزيع المحتوى ويمنحونه مدى لا تستطيع المنافذ الصغيرة بلوغه بمواردها المحدودة، وهو ما يفيد مؤسسات الصحافة الراسخة في فهم منافسيها الجدد وفهم الشروط التي يزدهرون في ظلها، كما يفيد الباحثين في الإعلام العربي الذين يدرسون منافذ بديلة صاعدة في بيئاتهم المحلية، إذ يقدم لهم نموذجًا منهجيًا لدراسة جماهير هذه المنافذ ودوافع مشاركتهم ومحدداتها الاجتماعية والفكرية بدل الاكتفاء بتحليل المحتوى المنشور، وتنبه الدراسة في الوقت ذاته إلى أن غياب آليات التحقق التقليدية عن مسار انتشار الأخبار البديلة يضاعف الحاجة إلى بحوث التربية الإعلامية ومحو الأمية الرقمية لدى الجمهور الذي يتحول إلى ناشر بدوره
وخلاصة القول إن صعود الإعلام البديل في ألمانيا كما تصوره هذه الدراسة ظاهرة جمهور بقدر ما هو ظاهرة منافذ، فالمنصات الرقمية منحت المنافذ البديلة بنية توزيع منخفضة الكلفة، لكن المتابعين بمشاركاتهم ودوافعهم وخصائصهم الاجتماعية والأيديولوجية هم الذين يحولون هذه الإمكانية التقنية إلى حضور فعلي متنامٍ في المجال العام، وهو ما يجعل دراسة سلوك المشاركة مدخلًا لا غنى عنه لفهم مستقبل النظم الإعلامية المعاصرة








