تمهيد
تواجه الديمقراطيات حول العالم ضغوطًا متزايدة من قادة وأحزاب شعبوية يمينية راديكالية، بما يثير أسئلة ملحة حول سر جاذبية هؤلاء القادة وقدرتهم على حشد الجماهير، ومن السبل المهمة لمقاربة هذه الأسئلة فحص ما يتواصل به هؤلاء القادة وكيف يتواصلون على وسائل التواصل الاجتماعي التي غدت ساحة التنافس السياسي الأولى، ويستحق تطبيق تيك توك اهتمامًا خاصًا في هذا الباب لا لأنه أسرع المنصات نموًا في مجال الأخبار والمعلومات فحسب، بل أيضًا بسبب اتساع ظاهرة تحول وسائل التواصل كلها إلى نمط تيك توك القائم على الفيديو القصير وتنامي أهمية التواصل البصري والأدائي في السياسة، ومع ذلك لم ينل التواصل الشعبوي على تيك توك إلا اهتمامًا قليلًا في الأدبيات بما يعكس انحيازًا أوسع نحو النص المكتوب في دراسات الاتصال السياسي، وتتتبع هذه الدراسة رحلة خافيير ميلي من الهوامش السياسية إلى رئاسة الأرجنتين عبر تواصله على تيك توك بوصفها منصة تُعد مفتاح نجاحه الانتخابي، وهي مادة تهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الاتصال السياسي ودراسات الشعبوية والإعلام الرقمي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
جمعت الدراسة بين تحليل محتوى شامل لاتصالات ميلي على تيك توك يغطي الأبعاد النصية والبصرية والأدائية معًا، وبين تحليل انحدار يفحص علاقة خصائص هذا المحتوى بمستويات التفاعل التي يحققها لدى الجمهور، وانطلقت الدراسة من ملاحظة أن مركزية الشعب أي الاحتكام الدائم إلى إرادة الشعب واستدعاؤه تُعد السمة المعرفة للشعبوية في الأدبيات النظرية، فسعت إلى التحقق من حضور هذه السمة في خطاب ميلي المرئي ومقارنتها بمكونات أخرى كأيديولوجيته الليبرتارية اليمينية ومواقفه من الدولة والنخب، كما راعت الدراسة خصوصية منصة تيك توك ذات نمط الاستهلاك الفردي القائم على التمرير الشخصي للمحتوى، وبحثت في مدى انسجام خطاب ميلي مع منطق هذه المنصة وخصائص جمهورها، وصولًا إلى بناء فهم أعمق للعلاقة بين الشعبوية والوسائط الرقمية والديمقراطية الليبرالية خارج سياقات الشمال العالمي التي تهيمن عادة على هذا الحقل البحثي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر تحليل المحتوى أن ميلي نادرًا ما يحتكم إلى الشعب أو يستدعيه في خطابه على تيك توك، وهي ملاحظة لافتة لأن مركزية الشعب تُعد عادة السمة الجوهرية المعرفة للشعبوية في صورتها الكلاسيكية
2، يتسق هذا الغياب شبه التام لخطاب الشعب مع أيديولوجية ميلي الليبرتارية اليمينية التي تعلّي من شأن الحرية الفردية على التضامن الجماعي، وينسجم في الوقت ذاته مع نمط الاستهلاك الفردي الذي تفرضه منصة تيك توك على مستخدميها
3، تجمع ما تسميه الدراسة شعبوية ميلي بلا شعب بين ازدراء الدولة ومعاداة النخب وأداءات متجاوزة للمألوف، وقد كشف تحليل الانحدار أن هذه الأداءات المتجاوزة تحديدًا تولّد مستويات تفاعل أعلى لدى الجمهور مقارنة بغيرها من خصائص المحتوى
4، تدفع النتائج فهم الشعبوية إلى ما وراء سياقات الشمال العالمي، وتقدم دلالات أوسع للعلاقة بين الشعبوية والإعلام الرقمي والديمقراطية الليبرالية، خاصة وأن ميلي زعيم يحتفي به اليمين الراديكالي الشعبوي في أنحاء العالم ويستلهم تجربته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الدراسة دروسًا مهمة لتحليل الاتصال السياسي الرقمي في المنطقة العربية كما في غيرها، فهي تبين أن نجاح القادة الشعبويين على منصات الفيديو القصير قد لا يقوم على خطاب الشعب الجامع بقدر ما يقوم على الأداء المتجاوز الصادم وعلى أيديولوجيا فردية تنسجم مع بنية المنصة ذاتها، وهو ما يدعو الباحثين إلى تجاوز التحليل النصي التقليدي نحو تحليل الأبعاد البصرية والأدائية للخطاب السياسي المرئي، كما تنبه الدراسة صانعي السياسات الإعلامية إلى أن اقتصاد الانتباه على هذه المنصات يكافئ التجاوز والاستفزاز بتفاعل أعلى، بما له من تداعيات على جودة النقاش العام وسلامة الديمقراطية التمثيلية، ويفيد هذا الإطار التحليلي طلاب الدراسات العليا العرب في دراسة الحملات الانتخابية الرقمية في بلدانهم ومقارنة خطابات القادة عبر المنصات المرئية الصاعدة
وخلاصة القول إن تجربة ميلي على تيك توك تعيد تعريف حدود الشعبوية ذاتها، فقد صعد من الهامش إلى السلطة بخطاب يكاد يخلو من استدعاء الشعب ويجمع بين ليبرتارية فردية وازدراء للدولة ومعاداة للنخب وأداءات متجاوزة تجذب التفاعل، بما يقدم للباحثين نموذجًا حيًا لشعبوية رقمية تشكلت على قياس منطق المنصات المرئية الحديثة








