تمهيد
يواجه الطلاب الدوليون في الجامعات صعوبات خاصة تتجاوز صعوبات التجربة الجامعية المعتادة، إذ تضاف إليها عوامل الضغط التثاقفي الناشئة عن الاختلافات الثقافية والحواجز اللغوية ومدى الراحة في السكن والاندماج في البيئة الجديدة، ويشتد هذا الضغط في كليات الطب التي تتطلب التزامًا دراسيًا مكثفًا وتفاعلًا مباشرًا مع المرضى والمجتمع بلغة قد لا تكون لغة الطالب الأم، ومن هنا تأتي أهمية قياس هذا الضغط علميًا لدى الطلاب الدوليين في السياقات العربية وتحديد عوامله بدقة
وتكتسب الدراسة قيمة خاصة للجامعات العربية التي تستضيف أعدادًا متنامية من الطلاب الدوليين في كليات الطب، إذ تحتاج إدارات شؤون الطلاب الدوليين إلى بيانات ميدانية تساعدها على تصميم برامج استقبال ودعم نفسي واجتماعي تخفف ضغوط التثاقف وتحتفظ بالطلاب حتى إتمام دراستهم بنجاح
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس انتشار الضغط التثاقفي لدى طلاب السنة الأولى الدوليين الملتحقين بكلية الطب في جامعة مصرية، والكشف عن العوامل المرتبطة بهذا الضغط، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا طُبق على 422 طالبًا دوليًا في العام الجامعي الممتد من 2021 إلى 2022، واستخدمت مقياس الضغط التثاقفي للطلاب الدوليين أداة للقياس، وفحصت العوامل المرتبطة بالضغط في ضوء معايير تشمل الراحة في السكن وتكيف الطالب مع الكلية والكفاءة اللغوية والضغط الأكاديمي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تبين أن 28.7 في المئة من الطلاب الدوليين كانوا فوق علامة التحذير للضغط التثاقفي التي تتجاوز 109 درجات على المقياس، بما يشير إلى انتشار يستحق التدخل المؤسسي المبكر
2، تمثلت كبرى ضغوط التثاقف لدى الطلاب في الهموم غير المحددة والحنين إلى الوطن والتمييز المدرك، بينما كان أقل الضغوط إبلاغًا الخوف والشعور بالذنب
3، كان الطلاب المصنفون فوق علامة التحذير في معظمهم من الإناث بنسبة 35.3 في المئة ومن الطلاب غير العرب بنسبة 37.8 في المئة، بما يعكس أثر القرب الثقافي واللغوي في تخفيف الضغط
4، خفّض وجود صديق أو فرد من الأسرة يعيش في مصر مستوى الضغط التثاقفي خفضًا دالًا، وأظهرت الدرجة الكلية للمقياس ارتباطًا سلبيًا بدرجات الكفاءة اللغوية العامة والراحة في السكن والتكيف الأكاديمي وتكيف الطالب مع الكلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يتأثر الضغط التثاقفي لدى المجموعات المدروسة بعوامل متعددة تشمل الجنسية والكفاءة في اللغتين الإنجليزية والعربية والتكيف الأكاديمي وراحة المعيشة، غير أن الضاغط الأكثر أهمية هو بلد المنشأ معرّفًا بالجنسية أو الكفاءة اللغوية، وبناء عليه ينبغي توفير موارد تضمن استدامة الطلاب الدوليين ونموهم طوال مسارهم التعليمي داخل بيئة متعددة الثقافات بما يدعمهم ويحتفظ بهم، كبرامج الإرشاد اللغوي والثقافي وخدمات السكن الملائمة ووحدات الدعم النفسي والاجتماعي، وهي توصيات قابلة للتطبيق في الجامعات العربية المستضيفة للطلاب الدوليين عمومًا
وتقدم هذه الدراسة للباحثين العرب نموذجًا تطبيقيًا لقياس الضغط التثاقفي بأداة متخصصة معروفة في الأدبيات العالمية، بما يتيح مقارنات مستقبلية منهجية بين الجامعات العربية ونظيراتها الدولية ويغني قاعدة الأدلة المحلية في هذا المجال الناشئ، كما تبرز أهمية التمييز بين مصادر الضغط القابلة للتدخل المؤسسي كالسكن والدعم اللغوي والتكيف الأكاديمي وبين المصادر المرتبطة بخلفية الطالب الثقافية التي تتطلب برامج تهيئة مبكرة تبدأ قبل وصول الطالب وتستمر أثناء دراسته، وتستطيع كليات الطب العربية أن تستثمر هذه النتائج في إنشاء مكاتب متخصصة لرعاية الطلاب الدوليين تتابع مؤشرات الضغط لديهم دوريًا وتتدخل عند تجاوز علامات التحذير، مع عناية خاصة بالطالبات والطلاب القادمين من ثقافات بعيدة لغويًا واجتماعيًا عن البيئة المضيفة، لأن اكتشاف الضغط مبكرًا يحمي التحصيل الدراسي والصحة النفسية ويعزز سمعة الجامعة وجهة آمنة ومرحبة للدراسة
وخلاصة القول إن الضغط التثاقفي تجربة حقيقية يعيشها أكثر من ربع الطلاب الطبيين الدوليين في سنتهم الأولى، ولا تعالجها الحلول الفردية وحدها، بل منظومة جامعية واعية تفهم مصادر الضغط وتستبقها ببيئة مرحبة ودعم لغوي ونفسي مستمر








