تمهيد
في ظل حالة عدم اليقين التي تسود أسواق العمل المعاصرة غدت القابلية للتوظيف هاجسًا متصاعدًا لدى طلاب التعليم العالي وأسرهم ومؤسساتهم الجامعية، فلم تعد الشهادة الجامعية وحدها ضمانًا كافيًا للحصول على فرصة عمل مناسبة، ومن هنا تكتسب القابلية المدركة للتوظيف أهميتها بوصفها إحساس الطالب الذاتي بقدرته على الحصول على عمل ملائم والمحافظة عليه والتقدم فيه، وقد تحولت إلى مجال بحثي متنامٍ يحظى باهتمام متزايد، غير أن كيفية تشكلها داخل البيئة الأكاديمية ما تزال غير مفهومة بما يكفي، وتقدم الجامعات برامج للتطوير المهني تشمل الإرشاد والتدريب والتدريب العملي بهدف تعزيز هذه القابلية لدى طلابها، لكن الآليات النفسية التي يمر عبرها أثر هذه البرامج، وفي مقدمتها الكفاءة الذاتية والمرونة النفسية، تحتاج إلى تفكيك دقيق يرشد مصممي البرامج إلى ما يعمل حقًا من مكوناتها وما يحتاج إلى إعادة بناء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
انطلقت الدراسة من عدسة نظرية مزدوجة تجمع بين نظرية المهنة المعرفية الاجتماعية ونظرية حفظ الموارد، وهدفت إلى فحص أثر برامج التطوير المهني بمكوناتها الثلاثة وهي الإرشاد والتدريب والتدريب العملي في القابلية المدركة للتوظيف، بوساطة الكفاءة الذاتية والمرونة النفسية، وذلك لدى طلاب السنة النهائية في علوم الحاسب بمنطقة حائل في المملكة العربية السعودية، واعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا جُمعت فيه البيانات من ثلاثمائة وثمانية وأربعين طالبًا جامعيًا على وشك التخرج، واستخدمت نمذجة المعادلات البنائية بأسلوب المربعات الصغرى الجزئية لتقويم نموذج القياس والنموذج البنائي معًا، بما أتاح اختبار العلاقات المباشرة بين مكونات البرامج والقابلية المدركة للتوظيف والعلاقات غير المباشرة المارة عبر الوسيطين النفسيين في نموذج واحد متكامل
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر النموذج البنائي خريطة متمايزة للعلاقات المباشرة والوسيطة بين مكونات البرامج والوسيطين النفسيين والقابلية المدركة للتوظيف، ويمكن عرض أبرز النتائج فيما يأتي
1، ارتبط الإرشاد والتدريب ارتباطًا دالًا بالقابلية المدركة للتوظيف على المسار المباشر، بينما لم يظهر التدريب العملي ارتباطًا دالًا بها على هذا المسار، بما يميز بوضوح بين مكونات البرامج في قوة حضورها المباشر في شعور الطلاب بجاهزيتهم للتوظيف
2، لم تتنبأ الكفاءة الذاتية بالقابلية المدركة للتوظيف، وهي نتيجة تخالف التوقع الشائع في الأدبيات وتدعو إلى إعادة النظر في موقع الثقة بالقدرات الذاتية ضمن منظومة العوامل المشكلة لشعور الطالب بجاهزيته الفعلية لسوق العمل ومتطلباته
3، ارتبطت مكونات البرامج الثلاثة جميعها وهي الإرشاد والتدريب والتدريب العملي ارتباطًا دالًا بالمرونة النفسية لدى الطلاب، وارتبطت المرونة النفسية بدورها ارتباطًا دالًا بالقابلية المدركة للتوظيف، فبرزت بوصفها موردًا نفسيًا مركزيًا في هذه المنظومة برمتها
4، توسطت الكفاءة الذاتية العلاقة بين التدريب العملي والقابلية المدركة للتوظيف دون أن تتوسط علاقتي الإرشاد والتدريب بها، بينما توسطت المرونة النفسية العلاقات بين المكونات الثلاثة جميعها والقابلية للتوظيف، فكانت المرونة هي القناة الوسيطة الأوسع نطاقًا والأكثر اتساقًا في نقل أثر البرامج
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم هذه النتائج في إثراء أدبيات برامج التطوير المهني والقابلية المدركة للتوظيف، وتقدم رؤى عملية لصانعي السياسات ومطوري البرامج المهنية وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية والعربية، إذ تبين أن بناء المرونة النفسية لدى الطلاب ومساعدتهم على التكيف مع التغيرات والضغوط قد يكون الاستثمار الأعلى عائدًا في رفع شعورهم بالجاهزية للتوظيف، وأن للإرشاد المنظم والتدريب الموجه حضورًا مباشرًا لا ينبغي التفريط فيه عند تصميم البرامج، كما تنبه مصممي برامج التدريب العملي إلى إعادة هندستها بما يربطها ببناء الكفاءة الذاتية عبر خبرات إتقان حقيقية متدرجة، فبتأكيد أهمية وظائف محددة داخل برامج التطوير المهني تستطيع المؤسسات التعليمية بناء تدخلات أكثر فاعلية تجسر فجوة المهارات وتعزز الآفاق المهنية لطلابها وفرص توظيفهم بعد التخرج
خاتمة
وخلاصة القول إن برامج التطوير المهني ترفع القابلية المدركة للتوظيف لدى الطلاب عبر مسارات نفسية تتقدمها المرونة النفسية وسيطًا شاملًا يجمع مكونات البرامج كلها، بينما يظل دور الكفاءة الذاتية انتقائيًا ومقيدًا بمسار التدريب العملي، وهو فهم يوجه تصميم برامج مهنية جامعية أذكى بناء وأعمق أثرًا في مستقبل الخريجين








