تمهيد
تؤدي مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات دورًا حاسمًا في النمو الاقتصادي والتنمية الوطنية الشاملة، وقد جعلت دولة الإمارات العربية المتحدة هذه المجالات أولوية استراتيجية في خططها التنموية، غير أن النساء ما يزلن ممثلات تمثيلًا منقوصًا في تخصصات الهندسة رغم اتساع مشاركتهن في التعليم العالي عمومًا، وعلى الرغم من غزارة البحوث العالمية حول المرأة في مجالات العلوم والهندسة فإن معظمها يتمركز في سياقات غربية، بينما يندر العمل الموجه نظريًا نحو فهم دوافع الطالبات في منطقة الخليج بخصوصيتها الثقافية والاجتماعية، كما تفتقر الأدبيات إلى نماذج متكاملة تجمع بين الدوافع الداخلية للطالبة والمؤثرات السياقية المحيطة بها في إطار تفسيري واحد، وتعالج هذه الدراسة تلك الفجوة بفحص دوافع طالبات الهندسة في الإمارات واقتراح نموذج مفاهيمي يراعي هذه الخصوصية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة تصميمًا مختلط الأساليب في الجامعة الأمريكية في الشارقة، فأجرت أولًا مقابلات شبه مقننة مع عشر من طالبات الهندسة للوقوف على موضوعات الدافعية الرئيسة الكامنة في تجاربهن وقراراتهن الدراسية، ثم بنت على ضوء نتائج المقابلات أداة استبانة وُزعت على مائة وثمانين طالبة من طالبات البكالوريوس في الهندسة، واقترحت الدراسة في ضوء ذلك نموذجًا أطلقت عليه النموذج السياقي لدافعية الطالبات في الهندسة، وحُللت البيانات الكمية باستخدام حزمة برمجية إحصائية متخصصة، وشملت التحليلات التحليل العاملي الاستكشافي والتحليل العاملي التوكيدي ونمذجة المعادلات البنائية، بما أتاح اختبار بنية الدافعية الكامنة والعلاقات التبادلية بين مكوناتها وصولًا إلى الحكم على صلاحية النموذج المقترح إطارًا تفسيريًا في هذا السياق المؤسسي والثقافي
ثانيًا: أبرز النتائج
أفرزت التحليلات الكمية بنية عاملية واضحة ونتائج بنائية ذات دلالات نظرية لافتة تستحق التوقف عندها، ويمكن عرض أبرزها على النحو الآتي
1، دعمت التحليلات بنية ثنائية العوامل لدافعية الطالبات في الهندسة، يتكون أولهما من الدافعية الجوهرية والتمكينية المرتبطة بالتطلعات الداخلية والشعور بالقدرة والتمكين، وثانيهما من التأثير الخارجي والسياقي المتمثل في دعم الأسرة والمحيط والمؤسسة والفرص المتاحة ووضوح مساراتها
2، أظهر التحليل العاملي التوكيدي مطابقة مقبولة للنموذج المقترح مع البيانات الميدانية، بما يمنح النموذج السياقي لدافعية الطالبات في الهندسة سندًا قياسيًا أوليًا يؤهله للاستخدام إطارًا منظمًا للبحث العلمي والممارسة التربوية في سياقات مشابهة
3، أبانت نمذجة المعادلات البنائية أن التأثير الخارجي والسياقي يمارس أثرًا موجبًا ودالًا في الدافعية العامة للطالبات نحو الهندسة، بما يبرز الوزن الكبير للبيئة الداعمة والحوافز المؤسسية الظاهرة في تشكيل التزام الطالبات بالتخصص واستمرارهن فيه
4، جاءت علاقة الدافعية الجوهرية والتمكينية بالبناء العام للدافعية دالة إحصائيًا لكنها سالبة الاتجاه، وهي نتيجة قد تعكس أن مقياس الدافعية العامة يلتقط بدرجة أقوى صور الدافعية المعززة خارجيًا والظاهرة مؤسسيًا مقارنة بالدوافع الداخلية ذات الطابع التمكيني داخل هذا السياق المؤسسي بعينه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج، بوصفها دراسة حالة لمؤسسة جامعية واحدة، رؤى حساسة للسياق حول دافعية النساء في الهندسة وإطارًا منظمًا لفهم كيفية تفاعل التطلعات الداخلية مع الدعوم السياقية، وهي ذات قيمة عملية لصانعي السياسات التعليمية في الخليج والعالم العربي وللباحثين وطلاب الدراسات العليا في التعليم الهندسي ودراسات المرأة والتنمية، إذ يحدد النموذج المقترح مجالات عملية لتعزيز الإرشاد الأكاديمي والمهني الموجه للطالبات وزيادة وضوح الفرص المتاحة أمامهن وبناء بيئات تعلم داعمة ومحفزة، كما يدعو الباحثين إلى اختبار النموذج في جامعات وثقافات مؤسسية أخرى للتحقق من قابليته للتعميم، وإلى التعمق بأساليب نوعية في تفسير المفارقة الخاصة بموقع الدافعية الجوهرية عبر رصد أصوات الطالبات أنفسهن وتجاربهن
خاتمة
وخلاصة القول إن دافعية الطالبات نحو الهندسة في السياق الخليجي بناء ثنائي الأبعاد تتقدم فيه المؤثرات السياقية الخارجية على الدوافع الجوهرية في تفسير الالتزام بالتخصص، وإن فهم هذا التفاعل الدقيق بين الداخلي والسياقي شرط أساسي لصياغة سياسات ناجحة تستقطب النساء إلى الهندسة وتدعم بقاءهن وتفوقهن فيها








