تمهيد
يحظى سؤال التوافق بين الشريكين في العلاقات العاطفية باهتمام واسع في بحوث الأسرة والعلاقات الزوجية، ومن مفاهيمه المركزية مفهوم قيمة الشريك الذي يعبر عن مجمل ما يمتلكه الفرد من سمات وموارد تجعله مرغوبًا في العلاقات، ومفهوم تباين قيمة الشريك الذي يشير إلى الفارق بين الشريكين في هذه القيمة، وقد عانت الدراسات السابقة التي تناولت علاقة هذا التباين بالرضا عن العلاقة من وجهي قصور رئيسين، أولهما تناول قيمة الشريك بوصفها بناء أحاديًا غير متمايز الأبعاد، وثانيهما الاعتماد على درجات الفروق البسيطة في نمذجة آثار التباين، وهي طريقة تنطوي على مشكلات منهجية معروفة تحد من دقة الاستنتاجات، ومن هنا تأتي أهمية دراسة تعالج وجهي القصور معًا بأداة تحليلية أرقى وبتصور متعدد الأبعاد لقيمة الشريك يفكك مكوناتها ويختبر أوزانها النسبية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين تباين قيمة الشريك والرضا عن العلاقة العاطفية باستخدام تصور متعدد الأبعاد لقيمة الشريك وتطبيق تحليل سطح الاستجابة، وجُمعت البيانات عام 2016 في النرويج عبر استبانة إلكترونية أدارتها شركة متخصصة في أبحاث السوق، وجرى توزيع العينة توزيعًا طبقيًا على مقاطعات البلاد التسع عشرة، وبلغت عينة التقدير النهائية 904 أفراد ممن هم في علاقات عاطفية قائمة، واعتمد التحليل على الجمع بين التحليل العاملي التوكيدي للتحقق من بنية أبعاد قيمة الشريك وتحليل سطح الاستجابة لنمذجة أثر تطابق الشريكين وتباينهما في كل بعد على الرضا عن العلاقة، وتضمنت الأبعاد المدروسة التوجه الأسري والقدرة على تدبير الموارد والمظهر والاجتماعية والحالة البدنية بوصفها مكونات أساسية لقيمة الشريك
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج التحليل العاملي وتحليل سطح الاستجابة نمطًا متسقًا يربط ارتفاع قيمة الشريك لدى الطرفين معًا بارتفاع الرضا عن العلاقة، ويمكن تلخيص أبرز النتائج فيما يأتي
1، بلغ الرضا عن العلاقة أعلى مستوياته حين أظهر الشريكان معًا مستويات مرتفعة من أبعاد قيمة الشريك الخمسة، وهي التوجه الأسري والقدرة على تدبير الموارد والمظهر والاجتماعية والحالة البدنية، فكان الارتفاع المشترك لدى الطرفين لا تفوق أحدهما على الآخر هو وصفة الرضا الأعلى
2، برز التوجه الأسري بوصفه أهم أبعاد قيمة الشريك على الإطلاق في علاقته بالرضا عن العلاقة، بما يلفت الانتباه إلى مركزية الالتزام بالأسرة وتقدير شأنها في استقرار العلاقات العاطفية ورضا طرفيها عنها واستمرارها
3، انخفض الرضا عن العلاقة حين تساوى الشريكان في مستويات منخفضة من هذه السمات مجتمعة، بما يؤكد أن التطابق بين الشريكين وحده لا يصنع الرضا، فالتشابه في الانخفاض على أبعاد القيمة نتيجة لا تقل سوءًا عن كثير من صور التباين بينهما
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج درسًا منهجيًا وموضوعيًا للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس الأسري والإرشاد الزوجي، إذ تبين لهم خطورة اختزال قيمة الشريك في بعد واحد أو الاكتفاء بدرجات الفروق البسيطة عند دراسة التوافق بين الشريكين، وتشجعهم على توظيف تحليل سطح الاستجابة في دراسات التوافق الزوجي بأبعاده المتعددة، كما تلفت انتباه المرشدين الأسريين إلى أن بناء الرضا في العلاقة يمر عبر رفع سمات الشريكين معًا وفي مقدمتها التوجه الأسري، لا عبر البحث عن طرف متفوق على الآخر أو عن تشابه أعمى بينهما، بل عبر تنمية متوازنة لسمات الطرفين ومواردهما وقدراتهما المشتركة، وتظل الحاجة قائمة إلى اختبار هذه النتائج في بيئات ثقافية عربية تختلف فيها معايير قيمة الشريك وأوزان أبعاده النسبية اختلافًا جوهريًا عن السياق النرويجي
خاتمة
وخلاصة القول إن الرضا عن العلاقة العاطفية يبلغ ذروته حين يرتقي الشريكان معًا في أبعاد قيمة الشريك وفي طليعتها التوجه الأسري، وإن الانخفاض المشترك والتباين على حد سواء يهددان هذا الرضا، وهو فهم دقيق لا يتأتى إلا بنمذجة متعددة الأبعاد ترصد التطابق والفارق في آن واحد








