تمهيد
تمثل الدافعية محركًا أساسيًا لانخراط الطلاب في التعلم، غير أن أثرها ليس كتلة واحدة متجانسة، فالدافعية الداخلية تنبع من اهتمام الطالب ذاته ومتعته في النشاط، بينما ترتبط الدافعية ذات التوجه الخارجي بعوامل خارجية كالتقدير والدرجات وتوقعات الآخرين، وقد تختلف الارتباطات التي يظهرها كل نوع بحسب ما إذا فُحص منفردًا أو فُحص مع النوع الآخر في النموذج ذاته، وتزداد أهمية هذا التمييز في تعلم الفنون حيث تتقاطع العملية الإبداعية مع الانخراط في التعلم تقاطعًا وثيقًا، وهو ما تناولته هذه الدراسة لدى طلاب الجامعات الصينيين في تخصصات الفنون، مستهدفة الإجابة عن سؤال دقيق حول ما يبقى من أثر لكل نوع من الدافعية حين يتنافس النوعان على تفسير التباين ذاته في سلوك التعلم الإبداعي لدى الطلاب
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الارتباطات المشتركة والفريدة للدافعية الداخلية والدافعية ذات التوجه الخارجي لدى طلاب الفنون الجامعيين الصينيين بممارسات العملية الإبداعية التي يقررونها ذاتيًا وبالانخراط في التعلم، وجُمعت بيانات المسح من 481 طالبًا ملتحقين ببرامج فنية في إحدى المقاطعات الصينية باستخدام العينة القصدية، واستُخدم التحليل العاملي التوكيدي لتقويم نموذج القياس رباعي العوامل، ثم نمذجة المعادلات البنائية لثلاث مواصفات بديلة هي نموذج يقتصر على الدافعية الداخلية ونموذج يقتصر على الدافعية ذات التوجه الخارجي ونموذج متزامن يجمع النوعين معًا، بما يسمح بمقارنة الارتباطات حين يُنظر إلى كل نوع على حدة وحين يُنظر إليهما معًا في إطار إحصائي واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حين فُحص كل نوع من الدافعية على حدة ارتبطت الدافعية الداخلية والدافعية ذات التوجه الخارجي كلتاهما ارتباطًا إيجابيًا بممارسات العملية الإبداعية وبالانخراط في التعلم، وأظهرت كل منهما ارتباطات غير مباشرة دالة بالانخراط في التعلم عبر ممارسات العملية الإبداعية، بما يوحي بأن كلا النوعين يسهمان في دفع الطلاب نحو الانشغال الإبداعي والتعلم حين يُنظر إليهما منفصلين
2، حين جُمع النوعان في نموذج متزامن واحد احتفظت الدافعية الداخلية بارتباطاتها الدالة بممارسات العملية الإبداعية وبالانخراط في التعلم، بينما جاءت ارتباطات الدافعية ذات التوجه الخارجي المقابلة وارتباطها غير المباشر عبر ممارسات العملية الإبداعية أصغر حجمًا ولم تعد دالة إحصائيًا، بما يدل على أن معظم ما بدا أثرًا للدافعية الخارجية يتداخل مع تباين الدافعية الداخلية المشترك بينهما
3، ظل الارتباط بين ممارسات العملية الإبداعية والانخراط في التعلم إيجابيًا ودالًا إحصائيًا عبر مواصفات النماذج الثلاثة جميعًا، بما يؤكد متانة الصلة بين انشغال الطلاب بعملياتهم الإبداعية وبين انخراطهم الفعلي في التعلم مهما اختلفت طريقة تمثيل الدافعية في النموذج البنائي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن الدافعية ذات التوجه الخارجي قد تبدي ارتباطات ذات معنى حين تُدرس مستقلة، غير أن جانبًا كبيرًا من هذا الارتباط يتداخل مع تباين الدافعية الداخلية، ومن ثم تؤكد الدراسة أهمية التمييز منهجيًا بين الارتباطات المنفصلة والارتباطات الفريدة عند تفسير أدبيات الدافعية، حتى لا تُنسب إلى الحوافز الخارجية آثار تعود في الحقيقة إلى الدافعية الداخلية، كما تلفت الانتباه إلى معاملة ممارسات العملية الإبداعية والانخراط في التعلم بوصفهما جانبين مترابطين لكنهما متمايزان مفهوميًا في التعلم الإبداعي، وهي رؤى تفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس التربوي عند بناء نماذجهم البحثية وعند تصميم بيئات تعلم فني ترعى الدافعية الداخلية للطلاب دون إهمال فهم دور العوامل الخارجية وحدوده الحقيقية عند ضبط المتغيرات المشتركة، كما تذكر هذه النتائج بأن قراءة حجم الأثر في دراسات الدافعية تتطلب الحذر من الاكتفاء بالنماذج الأحادية التي قد تضخم أدوار بعض العوامل على حساب عوامل أخرى متداخلة معها في الواقع النفسي للمتعلم
وخلاصة القول إن أثر الدافعية ذات التوجه الخارجي في التعلم الإبداعي لدى طلاب الفنون يبدو أقل استقلالًا مما توحي به التحليلات المنفصلة، إذ يتداخل معظمه مع الدافعية الداخلية، بينما تظل ممارسات العملية الإبداعية صلة وصل ثابتة بين الدافعية والانخراط في التعلم عبر النماذج المختلفة








