تمهيد
غيّر التحول الرقمي الطريقة التي يتفاعل بها المرضى مع المستشفيات، فلم تعد الخدمة الصحية محصورة في أروقة المنشأة وشبابيكها، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني عبر خدمات تكميلية تُقدم عن بعد وتشكل جزءًا متناميًا من جودة الخدمة المدركة ومن نتائج العلاقة بين المريض والمنشأة، وتستند هذه الدراسة إلى تصور الخدمات التكميلية بوصفها زهرة خدمة إلكترونية تحيط بالخدمة الجوهرية وتدعمها، من الإحاطة بالمعلومات إلى إتمام الدفع، وفي بيئة تنافسية كقطاع المستشفيات الخاصة في السعودية يصبح ولاء المرضى ثمرة لتجربة متكاملة لا لجودة العلاج وحده، ومن هنا تتجه الأنظار إلى فهم كيف ترتبط هذه الخدمات الرقمية بولاء المرضى وما الدور الذي تؤديه تجربة المريض وسيطًا في هذه العلاقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الارتباط بين الخدمات الصحية التكميلية في الفضاء الرقمي وولاء المرضى في المستشفيات الخاصة بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية، وتقويم ما إذا كانت تجربة المريض تتوسط هذه العلاقة، واعتمدت مسحًا مقطعيًا بين مرضى مقيمين ومراجعين للعيادات الخارجية ممن استخدموا خدمة واحدة على الأقل من خدمات المستشفى عبر الإنترنت، وجُمعت البيانات إلكترونيًا بين العاشر من فبراير والعاشر من مايو من عام 2026 باستخدام استبيان عربي منظم، وبلغت العينة النهائية سبعمئة وثلاثين استجابة كاملة، وقِيست الخدمات التكميلية الرقمية عبر خمسة أبعاد هي المعلومات الإلكترونية وتلقي الطلبات إلكترونيًا والاستشارة الإلكترونية والفوترة الإلكترونية والدفع الإلكتروني، إلى جانب تجربة المريض وولائه بمقاييس ليكرت الخماسية، وقُوّم نموذج القياس بالتحليل العاملي التوكيدي واختُبرت العلاقات البنيوية بنمذجة المعادلات البنيوية
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أظهرت الخدمات الصحية التكميلية الرقمية ارتباطًا موجبًا دالًا بولاء المرضى بلغ معامله 0.282 عند مستوى دلالة يقل عن 0.001
النتيجة الثانية: أظهرت الخدمات ذاتها ارتباطًا موجبًا قويًا بتجربة المريض بلغ معامله 0.591 عند مستوى دلالة يقل عن 0.001، بما يعني أن جودة الحضور الرقمي للمستشفى تنعكس مباشرة في كيفية معايشة المريض لخدمته
النتيجة الثالثة: ارتبطت تجربة المريض بدورها ارتباطًا موجبًا دالًا بولاء المرضى بلغ معامله 0.431 عند مستوى دلالة يقل عن 0.001، بما يدعم دورها وسيطًا مهمًا في العلاقة بين الخدمات الرقمية التكميلية والولاء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدل النتائج على أن مكونات الخدمة التكميلية المقدمة رقميًا ترتبط إيجابًا بولاء المرضى وأن تجربة المريض آلية وسيطة مركزية في هذه العلاقة، ومن ثم فإن تعزيز الوصول إلى المعلومات عبر الإنترنت وتبسيط إجراءات المواعيد وتطوير الاستشارة الرقمية وشفافية الفوترة وسهولة الدفع قد يقترن بتجارب أكثر إيجابية ونوايا ولاء أقوى في بيئات المستشفيات الخاصة السعودية، وتمثل الدراسة للباحثين العرب في إدارة الخدمات الصحية والتسويق الصحي تطبيقًا عربيًا نادرًا لأطر تسويق الخدمات في البيئة الرقمية، وتدعو إلى بحوث لاحقة تقارن بين القطاعين العام والخاص وبين المدن وتبحث أبعاد الخدمة الرقمية الأكثر تأثيرًا في تجربة فئات محددة من المرضى
وتستند هذه الدراسة إلى إطار مفاهيمي معروف في تسويق الخدمات يميز بين الخدمة الجوهرية والخدمات التكميلية التي تحيط بها وتسهل الحصول عليها وترفع قيمتها في إدراك العميل، فحين تنتقل هذه الخدمات التكميلية إلى الفضاء الرقمي تصبح المعلومات والحجز والاستشارة والفوترة والدفع تجربة متكاملة تبدأ قبل الوصول إلى المستشفى وتستمر بعد مغادرته، وتجربة المريض بهذا المعنى ليست انطباعًا عابرًا بل محصلة تفاعلات متتابعة تشمل سهولة الاستخدام وسرعة الاستجابة ووضوح المعلومات والشعور بالاحترام والمتابعة، ولهذا الإطار صلة مباشرة بتحولات القطاع الصحي السعودي نحو الرقمنة الشاملة، إذ تتسابق المنشآت على كسب ثقة المرضى بخدمات رقمية ميسرة تصنع الفرق في سوق صحية تنافسية متنامية باستمرار
وخلاصة القول إن ولاء المريض للمستشفى الخاص في العصر الرقمي يُبنى قبل غرفة الكشف وبعدها، عبر معلومات واضحة وحجز سلس واستشارة متاحة وفوترة شفافة ودفع ميسر، وإن تجربة المريض هي الجسر الذي تعبر عليه هذه الخدمات إلى الولاء، ومن يستثمر في هذا الجسر يكسب ثقة مرضاه واستمرارهم








