تمهيد
شهد التعليم الطبي في مصر إصلاحًا وطنيًا تبنت بموجبه كليات الطب المعايير الأكاديمية المرجعية الوطنية في انتقال واسع نحو التعليم القائم على الكفايات، غير أن إعداد الخريجين للوفاء بهذه المعايير ما يزال تحديًا قائمًا في ظل تزايد أعداد الطلبة تزايدًا سريعًا ومحدودية الموارد التعليمية والسريرية المتاحة، وفي مثل هذه السياقات تبرز قيمة المبادرات التي يقودها الطلبة أنفسهم لتنظيم تدريب تكميلي يستثمر طاقات الأقران والبيئة السريرية الجامعية، إذ تجمع بين انخفاض الكلفة وقوة الدافعية وقرب المدربين من احتياجات المتدربين، وتتناول هذه الدراسة تجربة تدريب صيفي بقيادة الطلبة في مستشفى جامعة المنصورة وأثرها في الكفاءة الذاتية للمتدربين تجاه كفايات المعايير الوطنية وما يتصل بها من تعاطف سريري ومعرفة مهنية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم أثر برنامج التدريب الصيفي لعامي 2023 و2024 في نسخته المنفذة عام 2024 على كفاءة المتدربين الذاتية تجاه كفايات المعايير الأكاديمية المرجعية الوطنية، وانعقد البرنامج في شهر أغسطس من عام 2024 بأقسام مستشفى جامعة المنصورة عبر موجتين مدة كل منهما 14 يومًا، والتحق به 652 متدربًا في 31 قسمًا سريريًا، وجمع بين التعليم السريري العملي بجانب السرير والإجراءات الخاضعة للإشراف وورشتين تكميليتين متوائمتين مع كفايات المعايير الوطنية، واعتمد تصميمًا ملاحظيًا قبليًا وبعديًا قاس ثلاثة مخرجات هي الكفاءة الذاتية تجاه كفايات المعايير باستبانة تقرير ذاتي من خمس درجات والتعاطف السريري بمقياس جيفرسون للتعاطف بنسخته الطلابية والمعرفة السريرية باختبارات قصيرة خاصة بكل قسم، وحللت التغيرات باختبارات تائية مزدوجة وفروق المتوسطات وأحجام الأثر، واستوفى 535 متدربًا معايير الإدراج في التحليل النهائي بنسبة 82 في المئة من الملتحقين
ثانيًا: أبرز النتائج
1- حقق البرنامج مكاسب عامة دالة في الكفاءة الذاتية تجاه كفايات المعايير الوطنية عند مستوى دلالة أقل من 0.001، غير أن حجم هذه المكاسب تفاوت بحسب بيئة التدريب وطبيعتها
2- سجل المتدربون في الأقسام ذات التوجه نحو الناس والتي تؤكد التفاعل مع المرضى مكاسب أعلى في تحديد المخاطر الصحية وتبني تدابير مكافحة العدوى مقارنة بأقرانهم في البيئات التقنية، إذ بلغ فرق المتوسط 0.85 بحجم أثر 0.93 مقابل فرق متوسط 0.49 وحجم أثر 0.38
3- أظهر المتدربون في الأقسام ذات التوجه نحو التقنية والإجراءات مكاسب أكبر في الكفاءة الذاتية المتعلقة بتبني تدابير سلامة المرضى بفرق متوسط 1.64 مقابل 1.31، وفي الالتزام بالمعايير المهنية بفرق متوسط 0.72 مقابل 0.58
4- ارتبط التركيز المكثف على المهارات التقنية في الأقسام الإجرائية بتراجع طفيف لكنه دال في التعاطف، إذ تغير متوسط درجات مقياس جيفرسون للتعاطف بمقدار 2.34 درجة نحو الانخفاض
5- تحسنت درجات المعرفة السريرية تحسنًا دالًا عند مستوى دلالة أقل من 0.001، إذ ارتفع متوسط الإجابات الصحيحة بمقدار 15.8 نقطة مئوية في الأقسام التقنية و14.1 نقطة مئوية في الأقسام ذات التوجه نحو الناس
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه التجربة دليلًا عمليًا على أن النماذج التدريبية بقيادة الطلبة قادرة على رفع الكفاءة الذاتية والمعرفة السريرية لدى أعداد كبيرة من المتدربين بكلفة محدودة، بما يجعلها نموذجًا قابلًا للتوسع في البيئات محدودة الموارد التي تعاني ازدحام الطلبة وندرة فرص التدريب المنظم، وتنبه النتائج في الوقت ذاته إلى أثر بيئة التدريب في طبيعة المكاسب، إذ تنمي الأقسام التفاعلية مهارات التوجه نحو المريض بينما تنمي الأقسام الإجرائية مهارات السلامة والانضباط المهني مع حاجة إلى حماية التعاطف السريري من التآكل، وللكليات الطبية العربية تقدم الدراسة وصفة تصميمية مفيدة تجمع بين التعليم بجانب السرير والإجراءات المشرفة والورش المتوائمة مع معايير الكفاءة الوطنية، مع دعوة صريحة إلى توزيع المتدربين بوعي بين البيئات المتنوعة ومتابعة التعاطف بوصفه كفاية مهنية لا تقل أهمية عن المهارة اليدوية
وخلاصة القول إن التدريب الصيفي بقيادة الطلبة في جامعة المنصورة أثبت أن الإصلاح القائم على الكفايات يمكن دعمه من أسفل إلى أعلى بمبادرات طلابية منظمة جيدًا، وأن بناء طالب الطب الواثق بذاته ممكن حتى في بيئات محدودة الموارد متى توافرت القيادة الطلابية والإشراف الأكاديمي والتواؤم الواضح مع المعايير الوطنية








