تمهيد
يعيش أطفال كثيرون في عالم اليوم واقعًا لغويًا متعددًا منذ سنواتهم الأولى، إذ تتقاطع في حياتهم اليومية لغة المجتمع المهيمنة ولغات البيت الأصلية ولغات عالمية واسعة الانتشار، ويشكل هذا التعدد تحديًا وفرصة في آن واحد للمدارس الابتدائية، فمن جهة تخشى الأسر والمؤسسات من تشتت الأطفال بين لغات عدة، ومن جهة أخرى تشير أدبيات اكتساب اللغة إلى أن الأطفال يمتلكون قدرات مبكرة مدهشة على توظيف استراتيجيات تعلم متنوعة إذا أحسن الكبار تهيئة البيئة المناسبة، وتكتسب دراسة استراتيجيات تعلم اللغة لدى الصغار أهمية خاصة لأنها تنقل التركيز من سؤال ماذا يتعلم الأطفال إلى سؤال كيف يتعلمون وكيف يديرون تعلمهم بأنفسهم، وهو سؤال ظل مرتبطًا تقليديًا بالمتعلمين الأكبر سنًا أكثر من ارتباطه بأطفال الصفوف الأولى
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف على استراتيجيات تعلم اللغة التي يستخدمها تلاميذ صغار في واقعهم الاجتماعي اللغوي المتنوع، وأجريت في مدرسة ابتدائية واحدة في مدينة طرفية تتميز بسكان غير متجانسين من العرب واليهود والمهاجرين من بلدان متعددة يتحدثون لغات شتى، وقد اختارت مديرة المدرسة أن تعرض الأطفال في الصفين الأول والثاني لأربع لغات هي العبرية بوصفها لغة مهيمنة اجتماعيًا والروسية والعربية بوصفهما لغتي البيت لدى الأطفال والإنجليزية بوصفها لغة عالمية، واعتمد الباحثان على الاستثارة بالصور والمحادثة الحوارية للحصول على تأملات 11 تلميذًا عربيًا ويهوديًا من الصف الثاني، إذ طُلب من كل تلميذ أن يصف الاستراتيجيات التي يستخدمها لتعلم لغة جديدة داخل الفصل وفي البيت
ثانيًا: أبرز النتائج
1- دعمت النتائج ملاءمة تصنيف أكسفورد لاستراتيجيات تعلم اللغة للمتعلمين الصغار، إذ ظهرت جميع فئات التصنيف في ممارسات الأطفال وتأملاتهم رغم حداثة سنهم وقلة خبرتهم المدرسية
2- أسهمت الدراسة في تعميق فهم قدرة الأطفال في المرحلة الابتدائية المبكرة على استخدام استراتيجيات تعلم اللغة بوعي متنامٍ، بما يتجاوز الصورة النمطية التي تحصر التعلم في هذه السن بالتلقين والتقليد
3- أبرزت النتائج الدور القيادي لمعلمي اللغة الذين يبدون وسطاء في تعلم الأطفال، إذ يقومون بنمذجة استراتيجيات التعلم أمام تلاميذهم فيلتقطها الأطفال ويوظفونها في مواقف جديدة
4- أثرت الدراسة فهم كيفية استخدام متعلمين في عمر السابعة والثامنة لاستراتيجيات ما وراء معرفية متنوعة وقدرتهم على نقلها عبر اللغات المختلفة التي يتعرضون لها في الفصل والبيت
5- رصد الباحثان خاصية واحدة مميزة للأطفال في الاستراتيجيات المدروسة ترتبط بإشراك الوالدين، بما يعكس حضور الأسرة في تعلم اللغة لدى الصغار حضورًا لا يتوافر بالصورة ذاتها لدى المتعلمين الأكبر سنًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الدراسة دلالات ثرية للباحثين والمعلمين العرب، فالبيئات العربية حافلة بمدارس تجمع أطفالًا من خلفيات لغوية متنوعة وببرامج تعرض الصغار للعربية والإنجليزية ولغات أخرى منذ سنوات مبكرة، وتشير النتائج إلى أن الأطفال في هذه البيئات ليسوا متلقين سلبيين بل متعلمون نشطون يوظفون استراتيجيات معرفية واجتماعية وما وراء معرفية يمكن للمعلم تنميتها بالنمذجة الواعية والتوجيه اللطيف، كما تبرز الدراسة قيمة إشراك الوالدين شريكًا في تعلم اللغة وتدعو برامج إعداد معلمي اللغات إلى تدريب المعلمين على ملاحظة استراتيجيات أطفالهم وتوثيقها وتطويرها، ولطلاب الدراسات العليا تقدم الدراسة مثالًا منهجيًا ملهمًا على استخدام الاستثارة بالصور والمحادثة الحوارية أدوات ملائمة لسن الأطفال وقادرة على استخراج أصواتهم وتأملاتهم بصدق وعمق
وتتصل هذه النتائج بقضية أوسع هي قضية الهوية اللغوية والانتماء لدى الأطفال في البيئات متعددة اللغات، فحين تحتفي المدرسة بلغات البيت بدل تهميشها يتعزز شعور الطفل بالأمان والاعتزاز بذاته وينعكس ذلك على دافعيته للتعلم عمومًا، كما أن التخطيط الواعي لتوزيع اللغات على الأنشطة والمواد الدراسية يمنع طغيان لغة على أخرى ويحفظ التوازن بين الاندماج في لغة المجتمع وصون لغات الأسرة وإتقان اللغة العالمية التي تفتح للأطفال أبواب المعرفة الواسعة في مراحل لاحقة من تعلمهم
وخلاصة القول إن أطفال الصفوف الأولى قادرون على توظيف منظومة غنية من استراتيجيات تعلم اللغة ونقلها بين لغاتهم المتعددة متى وجدوا معلمًا ينمذج هذه الاستراتيجيات وأسرة تشاركهم رحلة التعلم، وهو ما يعيد الاعتبار لصوت الطفل الصغير باحثًا ناشئًا عن أدوات تعلمه








