تمهيد
تُجمع الدراسات على طلاب الطب في مصر على ارتفاع مستويات الضغط النفسي والاحتراق لديهم، مقترنة بتردد ملحوظ في طلب الدعم النفسي رغم الحاجة إليه، وهو مزيج يجعل البحث عن موارد نفسية داخلية واقية أولوية علمية وعملية، ويبرز في هذا السياق مفهوم التعاطف مع الذات بوصفه موردًا نفسيًا داخليًا يعني أن يعامل الإنسان نفسه بلطف وفهم حين يتعثر أو يتألم، بدل جلد الذات القاسي أو العزلة بألمها، متضمنًا إدراك أن المعاناة والقصور جزء من التجربة الإنسانية المشتركة، وقد راكم هذا المفهوم أدلة متزايدة على صلته بانخفاض الاضطرابات النفسية وتحسن التكيف، غير أن كيفية عمله وقائيًا ضد الاحتراق لدى طلاب الطب، وما إذا كان أثره يمر عبر خفض الضغط النفسي المدرك، ظلت بحاجة إلى اختبار مباشر في البيئة المصرية، وهو ما تصدت له هذه الدراسة بعينة كبيرة من طلاب إحدى الجامعات الحكومية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الدور الوقائي للتعاطف مع الذات ضد الاحتراق النفسي لدى طلاب الطب، واختبار ما إذا كان الضغط النفسي المدرك يتوسط العلاقة بينهما جزئيًا أو كليًا، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا عبر استبيان إلكتروني، وجُنّد 649 طالب طب من جامعة حكومية في مصر بأسلوب العينة المتاحة، وأكمل المشاركون الصورة المختصرة من مقياس التعاطف مع الذات ومقياس الضغط النفسي المدرك المكون من عشرة بنود وأداة تقييم الاحتراق المكونة من ثلاثة وعشرين بندًا، واختبر الباحثون الارتباطات الثنائية بمعاملات بيرسون، ثم طبقوا انحدارًا خطيًا متعدد المتغيرات لتحديد متنبئات الاحتراق، وحللوا الآثار غير المباشرة عبر فترات ثقة مصححة متحيزة أُنشئت بأسلوب إعادة المعاينة بعشرة آلاف عينة لتقدير الأثر غير المباشر للتعاطف مع الذات في الاحتراق عبر الضغط النفسي المدرك بدقة إحصائية عالية
ثانيًا: أبرز النتائج
١- شارك في الدراسة 649 طالب طب بلغ متوسط أعمارهم 20.6 عامًا وشكلت الإناث نسبة 58.4٪ منهم، وأظهرت التحليلات الثنائية ارتباطات سلبية دالة بين التعاطف مع الذات وكل من الضغط النفسي المدرك بمعامل ارتباط بلغ 0.577- والاحتراق النفسي بمعامل بلغ 0.478-، وارتباطًا إيجابيًا دالًا بين الضغط والاحتراق بمعامل بلغ 0.603، وجاءت مستويات الدلالة كلها دون 0.001
٢- فسر نموذج الانحدار متعدد المتغيرات نسبة 39.9٪ من تباين الاحتراق النفسي، وكان الضغط النفسي المدرك متنبئًا إيجابيًا دالًا بالاحتراق بمعامل بلغ 0.488، بينما بقي التعاطف مع الذات عاملًا وقائيًا دالًا بمعامل بلغ 0.196-
٣- أكد تحليل الآثار غير المباشرة وجود أثر غير مباشر دال للتعاطف مع الذات في الاحتراق عبر الضغط النفسي المدرك بلغت قيمته 0.026- وبفاصل ثقة 95٪ تراوح بين 0.032- و0.021-
٤- بقي الأثر المباشر للتعاطف مع الذات في الاحتراق دالًا بقيمة بلغت 0.018-، ومن ثم دعم التحليل نموذج وساطة جزئية شكل فيها المسار غير المباشر عبر الضغط نسبة 59.2٪ من الأثر الكلي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توضح هذه النتائج أن ارتفاع التعاطف مع الذات يرتبط بانخفاض الاحتراق لدى طلاب الطب بدرجة كبيرة عبر ارتباطه بخفض الضغط النفسي المدرك، إضافة إلى أثر مباشر مستقل، ما يجعل تنمية هذا المورد النفسي هدفًا تدخليًا واعدًا في كليات الطب، إذ يمكن إدماج تدريب التعاطف مع الذات إلى جانب استراتيجيات خفض الضغط في برامج دعم الطلاب والإرشاد الأكاديمي وورش إدارة الضغوط، خصوصًا في بيئات يتردد فيها الطلاب عن طلب المساعدة النفسية الرسمية فيكون بناء الموارد الذاتية مدخلًا مقبولًا وأقل وصمة، وبالنسبة إلى الباحثين العرب في علم النفس الإيجابي والصحة النفسية الجامعية، تقدم الدراسة نموذج وساطة قابلًا للاختبار عبر تخصصات وجامعات عربية أخرى، وتدعو إلى دراسات تدخلية تجريبية تقيم فاعلية برامج قصيرة في التعاطف مع الذات قائمة على اليقظة واللطف الذاتي، ودراسات طولية تتتبع الطلاب عبر سنوات الدراسة الإكلينيكية الشاقة، بما يعمق فهم كيفية حماية الأطباء المستقبليين من الاحتراق قبل انتقالهم إلى ممارسة المهنة
وخلاصة القول إن التعاطف مع الذات مورد نفسي واقٍ حقيقي ضد احتراق طلاب الطب، يعمل في معظمه عبر تهدئة الضغط النفسي المدرك، وتنميته بالتدريب المنهجي استثمار عملي في صحة الأطباء الناشئة وجودة الرعاية التي سيقدمونها مستقبلًا








