تمهيد
تشير الأدلة العلمية المتراكمة إلى أن ممارسات التغذية خلال السنوات الأولى من عمر الطفل قد تؤثر في تشكل سلوكيات أكله في مراحل لاحقة من الطفولة، بل قد تتنبأ هذه الممارسات المبكرة نفسها بسلوكيات التغذية التي ستنتهجها الأم مع طفلها مستقبلًا، وتكتسب هذه القضية خصوصية في السياقات العربية والشرق أوسطية، إذ قد تتبنى الأمهات ممارسات تغذية مبكرة ذات طابع ثقافي مميز، مثل تقديم عصير الفاكهة في زجاجة الرضاعة أو تقديم خليط دبس التمر والحليب في الزجاجة خلال مرحلة الرضاعة، وهي ممارسات قد تبدو بريئة أو حتى مفيدة في الوعي الشائع، لكن آثارها بعيدة المدى في شهية الطفل وعلاقته بالطعام وفي أسلوب الأم الغذائي لم تُدرس بما يكفي، ومن هنا تأتي هذه الدراسة السعودية لتفحص صلات هذه الممارسات المبكرة بسلوكيات أكل الطفل وبسلوكيات التغذية التساهلية لدى الأم في سنوات ما قبل المدرسة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ارتباط تقديم عصير الفاكهة وخليط دبس التمر والحليب في زجاجة الرضاعة خلال مرحلة الرضاعة بأمرين اثنين، أولهما سلوكيات أكل الطفل خلال سنوات ما قبل المدرسة، وثانيهما ممارسات التغذية التساهلية لدى الأم خلال المرحلة نفسها، وأجابت أمهات أطفال في سن ما قبل المدرسة بلغ عددهن 115 أمًا عن أسئلة مقتبسة من استبيان سلوكيات أكل الأطفال ومن استبيان تغذية الطفل في نسخته العربية، إضافة إلى أسئلة تقيس ممارسات التغذية المبكرة والخصائص الديموغرافية للأسرة، واختبر الباحثان نماذج انحدار لوجستي غير معدلة ومعدلة لفحص ارتباط الممارسات المبكرة بسلوكيات أكل الطفل وسلوكيات تغذية الأم، واستخرجا نسب الأرجحية وفواصل الثقة المقابلة لها عند مستوى 95٪، بما يتيح تقدير قوة الارتباط واتجاهه بعد ضبط المتغيرات المصاحبة ذات الصلة
ثانيًا: أبرز النتائج
١- كان الأطفال الذين قُدّم لهم عصير الفاكهة في زجاجة الرضاعة خلال رضاعتهم أكثر احتمالًا لإظهار استجابة عالية للطعام في سن ما قبل المدرسة مقارنة بالأطفال الذين لم يُقدَّم لهم، إذ بلغت نسبة الأرجحية 2.93 وبفاصل ثقة تراوح بين 1.16 و7.42 بعد ضبط المتغيرات المصاحبة
٢- كانت الأمهات اللواتي أبلغن عن تقديم عصير الفاكهة في زجاجة الرضاعة لأطفالهن خلال الرضاعة أكثر احتمالًا لتبني استخدام الطعام مكافأةً لأطفالهم في سن ما قبل المدرسة، إذ بلغت نسبة الأرجحية 3.25 وبفاصل ثقة تراوح بين 1.22 و8.68
٣- دلّت النتائج مجملًا على أن ممارسات التغذية المبكرة ترتبط بسلوكيات أكل الطفل وسلوكيات تغذية الأم في مراحل لاحقة من الطفولة، ما يؤكد أن أثر ما يحدث في السنة الأولى من العمر لا ينتهي بانتهائها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية التدخل التوعوي المبكر في تغذية الرضّع، فتقديم العصائر المحلاة طبيعيًا أو المضاف إليها التحلية في زجاجة الرضاعة قد يرسخ لدى الطفل تفضيلًا مبكرًا للمذاق الحلو واستجابة قوية لمثيرات الطعام، كما قد يؤسس لدى الأم نمطًا ممتدًا من استخدام الطعام أداة للمكافأة والتهدئة، وهو نمط تساهلي تُظهر الأدبيات ارتباطه بمشكلات الوزن والسلوك الغذائي لاحقًا، وتكتسب الدراسة أهميتها للباحثين والممارسين العرب من كونها تناولت ممارسات ذات جذور ثقافية محلية كخليط دبس التمر والحليب الذي يُنظر إليه تقليديًا بوصفه غذاءً مقويًا للرضيع، ما يدعو إلى رسائل توعية متوازنة تحترم الثقافة الغذائية المحلية وتصحح الممارسات غير الملائمة بلطف علمي، ويمكن توظيف النتائج في برامج التوعية المجتمعية وتثقيف الأمهات في عيادات الطفل السليم ومراكز الرعاية الأولية، مع الدعوة إلى دراسات طولية مستقبلية تتتبع الأطفال منذ الرضاعة لتثبيت هذه الارتباطات سببيًا وتوسيع العينات إلى مناطق وسياقات عربية متنوعة
وخلاصة القول إن ما يُقدَّم للطفل في زجاجة الرضاعة خلال عامه الأول قد يترك بصمة ممتدة في سلوكه الغذائي وفي أسلوب أمه التغذوي بعد سنوات، ومن ثم فإن الاستثمار في تصحيح ممارسات التغذية المبكرة استثمار في صحة غذائية أطول أمدًا للطفل والأسرة معًا








