تمهيد
تُعد إصابات الدماغ الرضية مشكلة كبرى من مشكلات الصحة العامة في العالم، إذ قد تترافق مع طيف واسع من المشكلات السلوكية كالاندفاعية والعدوانية والعنف، وتشير الأدبيات إلى أن معدلات الإبلاغ الذاتي عن هذه الإصابات مرتفعة بين فئات المجرمين والسجناء، غير أن مدى إسهام الإصابة ذاتها سببيًا في إحداث السلوك المخالف للقانون ما يزال غير واضح تمامًا، وتزداد أهمية هذا السؤال حين يتعلق الأمر بمرتكبي العنف الاندفاعي تحديدًا، فهم فئة تجمع بين السلوك العنيف المتكرر وضعف ضبط الاندفاعات، وربما تخفي سيرتهم الصحية أعباء عصبية ونفسية لم تُشخَّص ولم تُعالج، ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى فحص الارتباطات النفسية والوظيفية لوجود تاريخ من إصابات الدماغ الرضية لدى عينة من مرتكبي العنف الاندفاعيين، واستكشاف ما إذا كانت شدة الإصابة وتكرارها يرتبطان بتفاقم الأعراض على نحو يشبه أثر الجرعة المتصاعدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توصيف الملامح النفسية العصبية والوظيفية المرتبطة بتاريخ إصابات الدماغ الرضية لدى مرتكبي العنف الاندفاعيين، ومقارنة من لديهم تاريخ إصابة بمن ليس لديهم مثل هذا التاريخ، وفحص الآثار المحتملة لشدة الإصابة وتعددها، وقد جُنّد المشاركون جميعًا من الرجال ضمن تجربة عشوائية محكومة لاختبار فاعلية دواء السيرترالين في خفض معاودة الجريمة، واشترطت معايير الدخول أن يكون عمر المشارك ثمانية عشر عامًا فأكثر، وأن يكون لديه تاريخ موثق لجريمتين عنيفتين أو أكثر، وأن يحقق درجة سبعين فأكثر على مقياس بارات للاندفاعية، وطبق الباحثون قائمة موسعة من الاستبيانات المعيارية للحصول على معلومات حول الإصابات الدماغية الرضية السابقة وحول حالات وأعراض نفسية عصبية أخرى، وبلغ حجم العينة 693 رجلًا، تراوحت أعمار 66٪ منهم بين ثمانية عشر وخمسة وثلاثين عامًا، وأفاد 55٪ منهم بوجود تاريخ لإصابة دماغية رضية واحدة على الأقل، وحللت الدراسة الفروق بين المجموعتين في مؤشرات الاندفاعية والتهيج والغضب والسلوك الاعتدائي وأعراض الاكتئاب واضطراب تعاطي الكحول والأفكار والمحاولات الانتحارية وجودة الحياة
ثانيًا: أبرز النتائج
١- أفاد 55٪ من المشاركين بوجود تاريخ لإصابة دماغية رضية واحدة على الأقل، وهي نسبة مرتفعة تؤكد شيوع هذه الإصابات بين مرتكبي العنف الاندفاعيين مقارنة بعامة السكان
٢- لدى 75٪ من الأفراد ذوي تاريخ الإصابة ارتبطت أشد إصابة تعرضوا لها وفق إبلاغهم الذاتي بفقدان للوعي لم تتجاوز مدته ثلاثين دقيقة، ما يشير إلى أن معظم الإصابات كانت في نطاق الشدة الخفيفة إلى المتوسطة ظاهريًا
٣- أظهر الأفراد ذوو تاريخ الإصابة مقارنة بغير المصابين مستويات أعلى من الاندفاعية وفق مقياس آيزنك، ومستويات أعلى من التهيج والغضب والسلوك الاعتدائي، وأعراض اكتئاب أشد، ومعدلات أعلى لاضطراب تعاطي الكحول، وأفكارًا ومحاولات انتحارية أكثر، وجودة حياة أدنى
٤- ظهرت مستويات مرتفعة عمومًا من الأعراض النفسية العصبية في العينة كلها، ما يعكس عبئًا مرضيًا كبيرًا لدى هذه الفئة من المرتكبين
٥- رُصدت آثار جرعة محتملة، إذ ارتبطت زيادة شدة الإصابة وتكرارها بتفاقم الأعراض النفسية العصبية، وكأن العبء التراكمي للإصابات يضاعف الأذى النفسي والوظيفي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن إصابات الدماغ الرضية المفردة والمتعددة شائعة جدًا بين مرتكبي الجرائم كما في دراسات سابقة على فئات المجرمين، وأن ارتباط الإصابة وشدتها وتكرارها بالظواهر النفسية العصبية السلبية يوحي بأنها تسهم إسهامًا مهمًا في العبء المرضي لدى المرتكبين، غير أن الباحثين ينبهون إلى أن طبيعة العينة المنتقاة والتصميم المقطعي للدراسة يحدّان من إمكانية الجزم بالعلاقات السببية، وتفتح الدراسة أمام الباحثين العرب في علم النفس الجنائي والطب النفسي الشرعي والعلوم العصبية موضوعًا بالغ الأهمية، إذ قلّما تُفحص السيرة العصبية للمرتكبين في البيئات العربية رغم ما قد يعنيه ذلك من فرص للتدخل المبكر والتأهيل، فتقييم تاريخ الإصابات الدماغية عند استقبال المرتكبين في المؤسسات الإصلاحية وبرامج إعادة التأهيل قد يساعد على فهم اندفاعيتهم وعدوانيتهم وتصميم تدخلات علاجية ودعم نفسي أنسب، كما أن رصد آثار الجرعة يدعو إلى مزيد من الدراسات الطولية التي تتتبع المصابين منذ لحظة الإصابة لتمييز ما تسببه الإصابة ذاتها مما يسبقها من عوامل اجتماعية وسلوكية
وخلاصة القول إن إصابات الدماغ الرضية عبء صحي خفي يرافق نسبة كبيرة من مرتكبي العنف الاندفاعيين ويترافق مع اندفاعية وعدوانية وأعراض نفسية أشد كلما ازدادت شدة الإصابة وتكرارها، والانتباه إلى هذا العبء مدخل واعد لتحسين التقييم والتأهيل والوقاية من معاودة العنف








