تمهيد
تسعى كليات الصيدلة المعاصرة إلى تجاوز التلقين التقليدي نحو أساليب تدريس تفاعلية تنمّي لدى الطلبة مهارات التفكير النقدي والبحث والتواصل والوعي الثقافي، وهي مهارات لا تقل أهمية عن المعرفة الدوائية ذاتها في إعداد صيدلي قادر على ممارسة مهنية رشيدة في عالم متغير، ومن بين هذه الأساليب الواعدة يبرز التكليف بالمقارنات الدولية، إذ يُطلب إلى الطلبة مقارنة نظامين أو تجربتين في بلدين مختلفين في قضية مهنية محددة، كعمليات اعتماد الأدوية وتسجيلها، فيتعلمون من التباين والمقارنة أكثر مما يتعلمون من العرض الأحادي، وتنبع أهمية هذا الأسلوب في السياق السعودي من اتساع أفق الممارسة الصيدلية والتنظيمية مع التحولات الصحية الجارية، ومن حاجة الطلبة إلى فهم موقع المنظومة الوطنية ضمن المشهد العالمي، وفي هذا الإطار تأتي هذه الدراسة لتقويم أثر التعلم عبر واجبات المقارنة الدولية في أداء طلبة الصيدلة وتطورهم الأكاديمي والمهني
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استقصاء أثر استخدام واجبات المقارنة والتباين الدولية أسلوبًا تفاعليًا للتدريس في تعليم الصيدلة، من حيث تنمية المعرفة والمنظور الدولي والآفاق المستقبلية والمتعة الشخصية والمهارات لدى الطلبة، واعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا بأساليب مختلطة جمع بين البيانات الكمية والنوعية، وتكونت الاستبانة من خمسة مجالات هي: تطوير المعرفة، والمنظور الدولي، والآفاق المستقبلية، والمتعة الشخصية، والمهارات، وقيست مستويات اتفاق الطلبة بمقياس ليكرت الخماسي الذي يتراوح من أقوى اتفاق إلى أقوى عدم اتفاق، كما تضمنت الاستبانة أسئلة مفتوحة شجعت الطلبة على التأمل في تجاربهم والتعبير عنها بعمق، وأكمل الاستبانة مائتان وأربعة عشر طالبًا بنسبة استجابة بلغت واحدًا وثمانين وستة أعشار في المائة، وهي نسبة مرتفعة تعزز موثوقية النتائج وقابليتها للتعبير عن مجتمع الطلبة المستهدف
ثانيًا: أبرز النتائج
1، اتفق أو اتفق بشدة ما يقارب تسعين في المائة من المشاركين على أن مقارنة المنظورين الدوليين كانت فعّالة في دعم معرفتهم بعمليات اعتماد الأدوية في المملكة العربية السعودية ودول أخرى
2، أبدى نحو ثلاثة أرباع الطلبة اتفاقهم أو اتفاقهم الشديد على أن واجبات المقارنة والتباين الدولية ستؤثر في خياراتهم المهنية مستقبلًا، وهو ما يمنح الأسلوب قيمة توجيهية تتجاوز التحصيل الدراسي الآني
3، ظهرت فروق دالة إحصائيًا بين الطلبة الذكور والإناث في مجال المنظور الدولي وفي مجال المهارات، بينما لم تُسجل مثل هذه الفروق الدالة في بقية المجالات المدروسة
4، أظهر الطلبة حماسًا واضحًا لما طوره الواجب لديهم من قدرات جوهرية، شملت البحث والتحليل والتلخيص والتفكير النقدي والعمل الجماعي، وهي قدرات محورية لطلبة الرعاية الصحية وطلبة الصيدلة بوجه خاص
5، عكست الإجابات النوعية المفتوحة تجربة تعلم إيجابية في مجملها، ربط فيها الطلبة بين المقارنة الدولية وفهم أعمق للأنظمة التنظيمية ووعي متزايد بالاختلافات الثقافية والمهنية بين البلدان
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن التعلم عبر واجبات المقارنة الدولية أسلوبًا تفاعليًا يمكن أن يؤثر إيجابيًا في التطور الأكاديمي والمهني للطلبة، عبر مساعدتهم على تنمية التفكير النقدي ومهارات البحث والكتابة والوعي الثقافي والتواصل في آن واحد، وتدعو هذه النتيجة مصممي المناهج في كليات الصيدلة والعلوم الصحية إلى إدماج تكليفات مقارنة مدروسة في المقررات التنظيمية والمهنية، مع اختيار موضوعات ذات صلة مباشرة بالممارسة المحلية كاعتماد الأدوية والممارسات الصيدلية المجتمعية، وتزويد الطلبة بإرشادات واضحة ومعايير تقويم شفافة تعظم الفائدة، وتمثل الدراسة إضافة عربية مهمة في أدبيات تعليم الصيدلة، وتفتح أمام الباحثين وطلاب الدراسات العليا آفاقًا لدراسات لاحقة تقيس الأثر الموضوعي في التحصيل والاحتفاظ بالمعرفة عبر تصميمات أطول وأكثر ضبطًا، وتستكشف تكييف هذا الأسلوب مع مقررات وسياقات جامعية عربية متنوعة
وخلاصة القول: إن نافذة يطل منها الطالب على تجربة بلد آخر قد تعلّمه عن نظام بلده أكثر مما تعلّمه الكتب المنفردة؛ فقد أظهرت المقارنة الدولية أنها ليست نشاطًا إثرائيًا هامشيًا، بل أسلوب تدريس تفاعلي أصيل يبني المعرفة والمهارة والوعي المهني معًا








