تمهيد
تُعد الصيدلة الجينومية أحد أركان الطب الدقيق الحديث، إذ تتيح تصميم العلاج الدوائي بما يتوافق مع الخصائص الجينية لكل فرد، على نحو يعزز فاعلية الدواء ويقلل آثاره الجانبية، ومع تسارع إدماج الاختبارات الجينية في الممارسة السريرية حول العالم، يبرز تساؤل جوهري حول مدى استعداد الجمهور لتقبّل هذه التقنية وطبيعة اتجاهاته ومخاوفه حيالها، ولا سيما في المملكة العربية السعودية التي تشهد تحولًا صحيًا واسعًا ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، وتكتسب دراسة وعي الجمهور أهمية خاصة؛ فنجاح أي تقنية طبية جديدة لا يتوقف على جدواها العلمية وحدها، بل على قبول المجتمع لها وثقته بها وفهمه لحدودها، وفي هذا السياق تأتي هذه الدراسة الاستكشافية التي تناولت وعي البالغين السعوديين بالصيدلة الجينومية واتجاهاتهم ومخاوفهم تجاه اختباراتها، والعوامل الاجتماعية والديموغرافية والصحية المرتبطة بذلك
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم وعي البالغين في المملكة العربية السعودية بالصيدلة الجينومية واتجاهاتهم نحو اختباراتها ومخاوفهم منها، وتحديد العوامل المرتبطة بالألفة بهذا المجال وبالاتجاهات والمخاوف والاستعداد لإجراء الاختبار وتفضيلات الموافقة المستنيرة، واعتمدت الدراسة تصميمًا مسحيًا مقطعيًا استكشافيًا عبر الإنترنت أُجري بين شهري أغسطس وأكتوبر من عام 2025، باستخدام أسلوبَي العينة الملائمة وعينة كرة الثلج في الوصول إلى المشاركين، وشارك في الدراسة ثلاثمائة وواحد وتسعون بالغًا ممن تجاوزت أعمارهم الثامنة عشرة من غير العاملين في القطاع الصحي، وأجابوا عن استبانة مجهولة الهوية مقتبسة من أدوات منشورة سابقة، واستخدم الباحثون تحليلات الانحدار اللوجستي متعدد المتغيرات والانحدار اللوجستي الترتيبي لفحص العوامل المرتبطة بالألفة بالصيدلة الجينومية والاتجاهات والمخاوف والاستعداد للاختبار وتفضيلات الموافقة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، جاءت اتجاهات المشاركين نحو اختبار الصيدلة الجينومية إيجابية بقوة؛ إذ عبّر ما بين سبعين واثنتين وسبعين في المائة من المستجيبين عن ارتياحهم لإجراء الاختبار للتنبؤ بفاعلية الدواء أو تحديد جرعته المناسبة أو توقع آثاره الجانبية
2، أبدى ثمانية وستون في المائة من المشاركين ارتياحهم للاختبار عندما يوصي به مقدم الرعاية الصحية، وهو ما يبرز دور الثقة بالطبيب والممارس الصحي في قبول التقنيات الجينية الحديثة لدى الجمهور
3، تصدرت المخاوف المتعلقة باختراق الخصوصية قائمة الهواجس؛ إذ أبدى أربعة وثلاثون في المائة قلقًا مرتفعًا بشأنها، فيما أبدى أربعة وأربعون في المائة قلقًا مرتفعًا بشأن كلفة الاختبار
4، عبّر واحد وسبعون في المائة عن قلقهم من تحمّل كلفة الاختبار من جيوبهم الخاصة، بينما أشار ثلاثة وثمانون في المائة إلى استعداد أكبر لإجرائه إذا كان مجانيًا أو مشمولًا بالتأمين الصحي
5، توقع ثلاثة وتسعون في المائة من المشاركين أن يُخطَروا مسبقًا من مقدم الرعاية الصحية قبل إجراء الاختبار، وأيّد خمسة وثمانون في المائة الحصول على موافقة محددة خاصة باختبار الصيدلة الجينومية
6، أظهرت النماذج المعدلة أن التقييم الذاتي الجيد أو الممتاز للصحة ارتبط باحتمالات أقل للقلق المرتفع بشأن الخصوصية والكلفة، وأن حملة المؤهل الدكتوراه أظهروا اتجاهًا إجماليًا أكثر إيجابية نحو الاختبار الجينومي الدوائي، وأن المقيمين في مكة المكرمة مقارنة بالرياض كانوا أكثر استعدادًا لإجراء الاختبار عند تغطيته تأمينيًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن القبول المجتمعي للصيدلة الجينومية في المملكة مرتفع، وأن العائقين الرئيسين أمام انتشارها هما الخصوصية والكلفة، وهما عائقان قابلان للمعالجة سياساتيًا وتنظيميًا؛ فتعزيز أطر حماية البيانات الجينية وبناء ثقة الجمهور بها، وإدماج الاختبار في التغطية الصحية، من شأنهما تسريع تبني الطب الدقيق في المملكة، كما تسلط الدراسة الضوء على أهمية الموافقة المستنيرة والإخطار المسبق بوصفهما مطلبًا جمهوريًا شبه جامع، وهو ما ينبغي أن يراعيه واضعو السياسات ومقدمو الرعاية الصحية عند تصميم خدمات الفحص الجيني وتقديمها، وينبغي مع ذلك تفسير النتائج بحذر؛ فاعتماد تصميم العينة الملائمة يحد من إمكانية تعميمها على عموم السكان، وتمثل الدراسة لبنة مهمة للباحثين العرب في مجالات الصحة العامة والجينوم وأخلاقيات الطب، ونقطة انطلاق لدراسات لاحقة بعينات ممثلة وطنيًا، ولطلاب الدراسات العليا المهتمين بقبول التقنيات الصحية المستجدة وأبعادها الأخلاقية والمجتمعية
وخلاصة القول: إن الجمهور السعودي مرحّب إلى حد بعيد باختبارات الصيدلة الجينومية، وإن تجاوز مخاوف الخصوصية والكلفة عبر حماية تنظيمية راسخة وتغطية تأمينية مناسبة هو الطريق الأقصر نحو توطين الطب الدقيق والاستفادة من إمكاناته في تحسين سلامة العلاج الدوائي وفاعليته لدى المرضى








