تمهيد
منذ نشأتها لم تتوقف منصات التواصل الاجتماعي عن تطوير ابتكارات وخطابات تتمحور حول الأبعاد الوجدانية والانفعالية لتجربة المستخدم، إذ يستثمر مالكو هذه المنصات بكثافة في البحث والتطوير بغية التعرف إلى مشاعر المستخدمين وانفعالاتهم واستثارتها في آن واحد، غير أن البحوث التي تجريها هذه الشركات ذاتها حول هذا الموضوع ما تزال غير مدروسة بما يكفي في الأدبيات الأكاديمية المستقلة، رغم تأثيرها العميق في تصميم المنصات وسلوك مليارات المستخدمين، تنهض هذه الدراسة بسدّ تلك الفجوة عبر تحليل منهجي نقدي للأدبيات العلمية التي نشرتها فرق البحث في شركتَي ميتا المالكة لفيسبوك وإنستغرام، وغوغل المالكة ليوتيوب، بشأن تحليل انفعالات مستخدميها ومعالجتها، متسائلة عما وراء هذه البحوث من تعريفات وأهداف وأساليب وخطابات تتجاوز إسهامها العلمي المعلن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهج التحليل المنهجي النقدي للأدبيات المنشورة بأقلام فرق البحث التابعة للشركتين، ففحصت كيفية تعريف هذه الأدبيات لمفهوم الانفعال، والأهداف التي تسعى إليها جهود البحث والتطوير الانفعالي، والأساليب المعتمدة في التعرف إلى الانفعالات وقياسها، ولم تتعامل الدراسة مع هذه المنشورات بوصفها مساهمات علمية محايدة فحسب، بل قرأتها أيضًا بوصفها خطابات موجهة إلى المجتمع العلمي والمستثمرين، تؤدي وظيفة إضفاء الشرعية على ابتكارات بعينها ودعم تطويرها، وهو ما منح التحليل بعده النقدي المزدوج: علمي من جهة، وخطابي مؤسسي من جهة أخرى
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تعتمد هذه الأدبيات على تعريفات تخطيطية مبسّطة للانفعالات، تختزل تعقيد الظواهر الوجدانية الإنسانية بما يسهّل كشفها آليًا ومعالجتها حاسوبيًا
2، تتجه غالبية الأهداف المعلنة لهذه الجهود البحثية إلى تعزيز رفاه المستخدمين، عبر تسخير ما يؤثر فيهم انفعاليًا وتوظيفه أداة في خدمة هذا الغرض
3، تخدم الأساليب المتعددة المستخدمة في التعرف إلى الانفعالات أساسًا تغذية خوارزميات التعلم الآلي في المنصات ببيانات موسومة بوصفها بيانات انفعالية
4، تبيّن الدراسة أن هذه البحوث، بما تتجاوز به إسهاماتها العلمية، تعمل بوصفها سرديات تستهدف المجتمع العلمي والمستثمرين لإضفاء الشرعية على ابتكارات محددة ودعم مسار تطويرها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يتيح تحليل هذه الأعمال فهم كيفية قيام التقنيات والأساليب والتطبيقات التي تطورها الشركتان بتحويل الانفعالات إلى سلعة قابلة للقياس والتداول، وكيف تشكّل بفاعلية سلوك المستخدمين على الشبكة وتوجه انتباههم وقراراتهم، وتنطوي هذه القراءة النقدية على أهمية مباشرة للباحثين في دراسات المنصات والإعلام الرقمي وعلم اجتماع التقنية، إذ تدعوهم إلى عدم تلقي بحوث الشركات الكبرى بوصفها معرفة محايدة، بل فحص شروط إنتاجها ومصالحها الكامنة، كما تفيد صانعي السياسات والجهات التنظيمية، ومنها جهات عربية معنية بحوكمة المنصات وحماية البيانات، في إدراك أن قضايا الخصوصية الانفعالية والتلاعب الوجداني بالمستخدمين صارت جزءًا من معركة تنظيمية أوسع، ولطلاب الدراسات العليا تقدم الدراسة نموذجًا لتحليل الخطاب العلمي المؤسسي ونقده دون الوقوع في الرفض المسبق أو القبول الساذج
وتتعمق دلالة الدراسة حين تُوضع في سياق اقتصاد الانتباه والبيانات الذي تعمل فيه المنصات الكبرى، فالانفعالات في هذا الاقتصاد ليست مجرد حالات نفسية عابرة بل موارد قابلة للقياس والتنبؤ والتسعير، تُبنى عليها أنظمة التوصية والإعلان واستراتيجيات إبقاء المستخدم مشدودًا إلى الشاشة أطول وقت ممكن، وحين تتبنى بحوث الشركات تعريفًا إجرائيًا ضيقًا للانفعال يجعله إشارات قابلة للرصد الآلي، فإنها تعيد تعريف التجربة الوجدانية الإنسانية ذاتها بما يخدم قابليتها للمعالجة التجارية، وهو تحول معرفي وأخلاقي يستحق تأمل الباحثين في فلسفة العلوم والأخلاقيات الرقمية، كما يفتح التحليل بابًا لدراسات عربية موازية تتناول خطابات المنصات الموجهة إلى المستخدمين العرب وبحوثها في أسواقهم، في ظل تصاعد نقاشات السيادة الرقمية وحماية البيانات الشخصية في التشريعات العربية الحديثة
وخلاصة القول: تكشف الدراسة أن معرفة المنصات بانفعالات مستخدميها ليست فضولًا علميًا بريئًا، بل مشروع معرفي تجاري يبسّط الانفعال ليُقاس، ويقيسه ليُستثمر، ويستثمره ليعيد تشكيل سلوك المستخدمين ذاتهم








