تمهيد
تحظى التغذية الراجعة التصحيحية الكتابية التي يقدمها المعلم على كتابات الطلبة بمكانة محورية في تعليم اللغات الأجنبية، فهي الجسر الذي يعبر به المتعلم من خطئه إلى صوابه، غير أن لغة هذه التغذية ذاتها ظلت موضع جدل تربوي واسع؛ فالاتجاه الأحادي اللغة يدعو إلى حصرها في اللغة الهدف وحدها انغمارا كاملا فيها، بينما يدعو أنصار التناوب اللغوي التربوي إلى توظيف اللغة الأم للمتعلم أداة شرح وتوضيح استراتيجية، ورغم الاهتمام المتنامي بالتناوب اللغوي في التعليم متعدد اللغات، ظل القليل معروفا عن كيفية إدراك المتعلمين أنفسهم للتغذية الراجعة الكتابية المقدمة بالتناوب اللغوي مقارنة بنظيرتها المقدمة باللغة الإنجليزية فقط، وتسد هذه الدراسة السعودية جانبا من هذه الفجوة بسماع صوت الطلبة أنفسهم في سياق تعليم اللغة الإنجليزية لأغراض خاصة في الجامعات السعودية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تصورات متعلمي اللغة الإنجليزية السعوديين وتجاربهم إزاء نوعين من التغذية الراجعة التصحيحية الكتابية يقدمهما المعلم: تغذية بالتناوب اللغوي تدمج العربية والإنجليزية استراتيجيا، وتغذية تقليدية بالإنجليزية فقط، واعتمدت الدراسة منهجا مختلطا، وشارك فيها ستون طالبا جامعيا سعوديا في السنة الأولى تلقوا أحد نوعي التغذية في مقررات الكتابة للغة الإنجليزية لأغراض خاصة، وجمعت البيانات باستبيانات أعقبت التدخل أجاب عنها خمسة وخمسون طالبا، وبمقابلات مجموعات تركيز شارك فيها ثمانية طلاب، وحللت البيانات الكمية بالإحصاء الوصفي واختبارات مان ويتني، بينما حللت البيانات النوعية تحليلا موضوعاتيا استخلص الأنماط المتكررة في تجارب الطلبة وتصوراتهم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أدرك الطلبة الذين تلقوا تغذية راجعة بالتناوب اللغوي أنها أسهل فهما وتطبيقا بصورة دالة مقارنة بزملائهم الذين تلقوا التغذية بالإنجليزية فقط
2، أظهرت النتائج النوعية أن الدمج الاستراتيجي للعربية والإنجليزية عزز فهم الشروحات المتعلقة باللغة ذاتها، وخفف الجهد المعرفي المبذول في فك رموز التغذية، وساعد المتعلمين على إدراك الفروق بين اللغتين ومواضع تقاطعهما وتشابههما
3، اعتمد الطلبة الذين تلقوا التغذية بالإنجليزية فقط اعتمادا متكررا على القواميس والترجمة الآلية لتفسير ما كتبه معلموهم، أي إن إقصاء اللغة الأولى لم يلغ الحاجة إلى الوساطة اللغوية بل نقل عبئها إلى المتعلمين أنفسهم
4، فضل معظم المشاركين التغذية الثنائية اللغة المدمجة استراتيجيا، بينما واصل بعض الطلبة تفضيل التغذية بالإنجليزية فقط رغم إقرارهم بصعوبتها الأكبر، وهو ما يعكس رسوخ المعتقدات الأحادية اللغة لدى بعض المتعلمين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعم هذه النتائج القيمة التربوية لدمج لغة المتعلمين الأولى استراتيجيا في التغذية الراجعة التصحيحية الكتابية التي يقدمها المعلم في تعليم اللغة الإنجليزية بالتعليم العالي؛ فاللغة الأم هنا ليست تراجعا عن الهدف بل وسيلة لتسريع بلوغه، تخفف الحمل المعرفي وتعمق الفهم اللغوي المقارن، ويستفيد معلمو اللغة الإنجليزية في الجامعات السعودية والعربية من هذه الدلالات في تصميم تغذية راجعة تراعي مواضع الصعوبة اللغوية الحقيقية لدى طلبتهم، وفي إدراك أن تفضيل بعض الطلبة للإنجليزية الخالصة قد يعكس معتقدات راسخة تستحق المناقشة التربوية لا التجاهل، كما تفتح الدراسة بابا لبحوث لاحقة تقيس أثر نوعي التغذية في جودة الكتابة ذاتها لا في التصورات فحسب
وتمتد دلالات الدراسة إلى برامج إعداد معلمي اللغة الإنجليزية وتطويرهم المهني في المملكة العربية السعودية وخارجها؛ فكثير من المعلمين يتمسكون بالتغذية الراجعة بالإنجليزية فقط اقتناعا منهم بأنها الأنفع، بينما تبين تجارب المتعلمين أن الشرح الثنائي المدروس يختصر عليهم طريقا طويلا من التخبط بين القواميس وأدوات الترجمة، ومن المفيد أن تتضمن مقررات طرق تدريس الكتابة وورش التطوير المهني تدريبا عمليا على صياغة تغذية راجعة ثنائية اللغة، تحدد فيها مواضع اللجوء إلى العربية باعتبارها مواضع إشكال لغوي حقيقي كالتداخل الصرفي والتركيبي، لا ترجمة شاملة للنص كله، كما يستطيع الباحثون العرب البناء على هذه النتائج بدراسات تجريبية أطول زمنا تقيس أثر النوعين في دقة الكتابة واستقلال المتعلم تدريجيا عن الوساطة
وخلاصة القول: إن التغذية الراجعة بالتناوب اللغوي بدت للمتعلمين السعوديين أوضح وأيسر تطبيقا من نظيرتها أحادية اللغة، وإن إقصاء اللغة الأم لم يصنع متعلما مستقلا بل متعلما مثقلا بأدوات وساطة خارجية، وهي رسالة تربوية جديرة بأن تستمع إليها برامج تعليم اللغات في جامعاتنا








