0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

الإحصاء ليس قياسًا: الدلالات المدمجة في المقاييس السيكومترية والنماذج اللغوية تحجب فروقًا معرفية جوهرية

تقدم الدراسة نقدًا شاملًا لاعتماد علم النفس المفرط على النمذجة الإحصائية على حساب عمليات قياس مؤسسة معرفيًا، مبينة أن الإحصاء يعالج علاقات بنيوية في البيانات بصرف النظر عما تمثله، بينما يقيم القياس علاقات تجريبية قابلة للتتبع بين الظواهر والبيانات، وأن خلط علماء النفس بين دلالات أساليبهم المدمجة والظواهر ذاتها هو خطؤهم الجوهري الذي يغذي أزمة القياس في علم النفس،

تمهيد

تقدم هذه الدراسة نقدًا شاملًا لاعتماد علم النفس المفرط على النمذجة الإحصائية على حساب عمليات قياس مؤسسة تأسيسًا معرفيًا رصينًا، وتنطلق من تمييز جوهري كثيرًا ما يُغفل: فالإحصاء يتعامل مع العلاقات البنيوية داخل البيانات بصرف النظر عما تمثله هذه البيانات من ظواهر، بينما القياس الحقيقي يقيم علاقات تجريبية قابلة للتتبع بين الظواهر المدروسة والبيانات التي تحمل معلومات عنها، فحين يمنح الباحث درجة على سلم تقدير أو يحسب متوسط فقرات استبيان، فإنه يمارس عمليات إحصائية على أرقام، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه قاس الظاهرة النفسية ذاتها قياسًا مبررًا معرفيًا، وتتسع أهمية هذا التمييز في زمن تتسارع فيه النماذج اللغوية الحاسوبية وتتسلل إلى صلب عملية القياس النفسي وبناء المقاييس والاختبارات

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

هدفت الدراسة إلى تفصيل الفروق المعرفية الحاسمة بين الإحصاء والقياس باستخدام نموذج روزن العام للقياس، الذي يقوم على نمذجة متماسكة لأربعة مكونات مترابطة: موضوعات البحث ذاتها، وتوليد البيانات أي ترميز الظواهر إلى بيانات، والمعالجة الصورية كالتحليل الإحصائي، وتفسير النتائج بشأن الموضوعات المدروسة أي فك الترميز، وتوضح الدراسة أن هذا النظام من علاقات النمذجة المترابطة يكمن خلف مناهج علماء القياس الفيزيائي في معالجة مشكلة الدائرية المعرفية في القياس الفيزيائي، كما يتجلى في حالتين خاصتين هما تنسيق القياس ومعايرته، ومن هذا المنطلق تفحص الدراسة تحديات علم النفس في إقامة نظائر حقيقية للقياس، الناشئة عن خصوصيات ظواهره المدروسة وعن أساليبه القائمة على اللغة

ثانيًا: أبرز النتائج

1، لا تستطيع السيكومترية إقامة علاقات نمذجة منسقة ومعايرة على غرار القياس الفيزيائي، فتنتج بذلك تكميمات براغماتية ذات قوة تنبؤية فحسب، وتحول دون استدلالات مبررة معرفيًا على الظواهر المدروسة ذاتها

2، يخطئ كثير من علماء النفس حين يخلطون بين الدلالات المدمجة في أساليبهم، أي أوصافهم لظواهرهم المدروسة في سلالم التقدير ومتغيرات الفقرات والنماذج الإحصائية، وبين الظواهر الموصوفة ذاتها، فتضيع الحدود المعرفية الضرورية بين الظاهرة المدروسة والظواهر المستخدمة وسيلة للبحث

3، يمثل هذا الخلط بين المفاهيم الوجودية والمفاهيم المعرفية ما تسميه الدراسة الخطأ الجوهري أو الكاردينالي لعلماء النفس، إذ يتوهمون أن أحكامهم على عبارات لفظية هي قياسات للظواهر التي تصفها تلك العبارات، ويغفلون أن الإحصاء لا يستطيع إقامة علاقات النموذج بالظواهر ولا تحليلها

4، تنشأ تحديات علم النفس الخاصة من خصوصيات ظواهره كالتعقيد عالي الرتبة وعدم القابلية للإرغودية، ومن أساليبه القائمة على اللغة وما تنطوي عليه من دلالات مدمجة سلفًا في صياغات الفقرات والسلالم

5، تستلزم الاستدلالات المسوغة معرفيًا أساليب لتحليل الاستجابات اللفظية غير المقيدة للأفراد، وهي أساليب تتقدم الآن عبر أنظمة ذكاء اصطناعي تنمذج اللغة الطبيعية كخوارزميات معالجة اللغة والنماذج اللغوية الكبيرة، بينما سيؤدي توظيفها المتزايد في توليد أوصاف معيارية للظواهر من أجل سلالم التقدير والبنى المفاهيمية إلى إدامة الخطأ الجوهري ومن ثم أزمة علم النفس

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

تفصل الدراسة الأسس المعرفية والمنهجية اللازمة لإقامة علاقات نمذجة متماسكة بين النظام الواقعي والنظام الصوري للدراسة، وللتمييز بين المكونات المعرفية المتضمنة، مع مراعاة خصوصيات علم النفس وظواهره، وتكتسب هذه الأسس أهمية عملية مباشرة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في القياس النفسي ومناهج البحث، إذ تحذر من التسليم الساذج بأن أي معالجة إحصائية راقية تعني قياسًا راقيًا، وتنبه إلى أن بناء المقاييس العربية أو تعريبها ينبغي أن يبدأ من تدقيق علاقة الأداة بالظاهرة المقاسة لا من مؤشرات الاتساق وحده، كما تحمل الدراسة تحذيرًا راهنًا لمستخدمي النماذج اللغوية الكبيرة في توليد فقرات المقاييس، فالطلاقة اللغوية لا تصنع صدقًا معرفيًا، والدلالة المدمجة في النص لا تغني عن إثبات العلاقة التجريبية بين الأداة والظاهرة

وخلاصة القول إن الإحصاء والقياس نشاطان متمايزان معرفيًا؛ فالأول يعالج بنى البيانات والثاني يربط البيانات بالظواهر ربطًا قابلًا للتتبع والتبرير، وإن تجاوز أزمة القياس في علم النفس يقتضي وعيًا بهذا التمايز وأساليب تحليل تحترم اللغة بوصفها موضوعًا ووسيلة في آن واحد

طلب بيانات المقال

آراء عملائنا

صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
سلة طلب الرسائل (0)