تمهيد
يُعدّ التماسك الأسري من أهم العوامل التي تحمي الأبناء من الانحرافات السلوكية في مراحل العمر المختلفة، إذ يمنح الفرد شعورًا بالأمان والانتماء والدعم العاطفي. وفي المقابل، برز التنمر الإلكتروني بوصفه أحد أخطر السلوكيات الرقمية بين الشباب الجامعي، لما يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية بالغة. وتناولت دراسة حديثة منشورة في مجلة Frontiers in Psychology العلاقة بين التماسك الأسري والتنمر الإلكتروني لدى طلاب الجامعات، مع كشف الأدوار الوسيطة للقلق وإعادة التقييم المعرفي في هذه العلاقة.
أولًا: مفاهيم الدراسة
1. التماسك الأسري: يقصد به قوة الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة، وقدرتهم على التوازن بين الاستقلالية والترابط، وهو أحد بُعدَي نموذج أولسن الشهير في تقييم الأداء الأسري.
2. التنمر الإلكتروني: سلوك عدواني متكرر يمارس عبر الوسائط الرقمية بقصد الإيذاء، ويشمل الإساءة اللفظية ونشر الشائعات والإقصاء الاجتماعي عبر المنصات.
3. القلق: حالة انفعالية تتسم بالتوتر والتوجس، وقد تدفع الفرد إلى سلوكيات تعويضية غير سوية في البيئة الرقمية.
4. إعادة التقييم المعرفي: إحدى استراتيجيات تنظيم الانفعالات، وتعني إعادة تفسير الموقف المثير للانفعال بطريقة تغيّر أثره النفسي.
ثانيًا: منهجية الدراسة وعينتها
أجريت الدراسة بأسلوب المسح على عينة قوامها 544 طالبًا جامعيًا، وطبقت عليهم أربعة مقاييس: النسخة الصينية من مقاييس تقييم التكيف والتماسك الأسري (FACES)، ومقياس القلق، واستبيان تنظيم الانفعالات، ومقياس التنمر الإلكتروني، ثم حُللت البيانات لاختبار علاقات الارتباط ونماذج الوساطة المتسلسلة بين المتغيرات.
ثالثًا: أبرز نتائج الدراسة
1. وجود ارتباط سلبي دال بين التماسك الأسري وكل من القلق وسلوك التنمر الإلكتروني لدى الطلاب؛ فكلما ارتفع تماسك الأسرة انخفض قلق الأبناء وميلهم إلى التنمر الإلكتروني.
2. ارتباط إعادة التقييم المعرفي سلبًا بالقلق والتنمر الإلكتروني، بما يعني أن الطلاب القادرين على إعادة تفسير المواقف الضاغطة أقل قلقًا وأقل انخراطًا في التنمر.
3. وجود ارتباط إيجابي دال بين القلق والتنمر الإلكتروني؛ فالطالب القلق أكثر عرضة لممارسة السلوك التنمري عبر الإنترنت.
4. توسط القلق العلاقة بين التماسك الأسري والتنمر الإلكتروني؛ إذ يؤدي ضعف التماسك إلى رفع القلق الذي يدفع بدوره إلى التنمر.
5. توسط إعادة التقييم المعرفي العلاقة ذاتها، وقيام المتغيرين معًا بدور وسيطين متسلسلين (وساطة متسلسلة) بين التماسك الأسري والتنمر الإلكتروني.
رابعًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن الأسرة المتماسكة لا تحمي أبناءها من التنمر الإلكتروني حماية مباشرة فحسب، بل تحميهم أيضًا عبر مسارات نفسية غير مباشرة، أهمها خفض القلق وتنمية مهارات تنظيم الانفعالات. ومن هنا تبرز أهمية برامج الإرشاد الأسري والجامعي التي تستهدف تدريب الطلاب على إعادة التقييم المعرفي، وتوعية الأسر بأثر مناخها العاطفي في السلوك الرقمي للأبناء. كما تفتح الدراسة بابًا للباحثين العرب لاختبار هذا النموذج الوسيطي في البيئات العربية، مع مراعاة الخصوصية الثقافية للأسرة العربية.
خامسًا: قراءة في نموذج الوساطة المتسلسلة
يستحق نموذج الوساطة المتسلسلة وقفة منهجية؛ فهو لا يكتفي بإثبات أن للتماسك الأسري أثرًا في التنمر الإلكتروني، بل يرسم خريطة المسار الذي يسلكه هذا الأثر: فالأسرة المتماسكة تخفض قلق الأبناء، وانخفاض القلق يعزز قدرتهم على إعادة تقييم المواقف الضاغطة معرفيًا، وهذه القدرة بدورها تقلل احتمالية انزلاقهم إلى السلوك التنمري. وتفيد هذه الخريطة الباحثين في بناء نماذج سببية أدق، وتصميم تدخلات متدرجة تبدأ من الأسرة وتمر بالانفعالات وتنتهي بالسلوك الرقمي.
سادسًا: حدود الدراسة وآفاقها
رغم قوة النموذج المختبر، تظل النتائج محكومة بحدود التصميم المسحي المقطعي القائم على التقرير الذاتي، وبخصوصية البيئة الثقافية الصينية التي أجريت فيها الدراسة؛ فالاستدلال السببي الصارم يتطلب تصميمات طولية أو تجريبية، وتعميم النتائج على البيئة العربية يتطلب إعادة اختبار النموذج بعينات عربية وأدوات مقننة محليًا. ويمثل هذا التوجه فرصة بحثية واعدة لطلاب الدراسات العليا في علم النفس الأسري والإرشاد النفسي في الجامعات العربية والسعودية.
وخلاصة القول أصيلة في مواجهة مخاطر البيئة الرقمية، وإن الاستثمار في صحة الأسرة النفسية استثمار في سلامة المجتمع الرقمي بأسره.








