الخلفية والسياق
يمثل الإفصاح عن تضارب المصالح ركيزة من ركائز نزاهة البحث والنشر العلمي، لأن المصالح المالية أو المهنية أو الشخصية قد تؤثر في تصميم الدراسة أو تفسير النتائج أو القرارات التحريرية، ومع أن إرشادات دولية مثل إرشادات لجنة أخلاقيات النشر واللجنة الدولية لمحرري المجلات الطبية تدعو إلى إعلان المصالح وإدارتها بوضوح، ظلت الأدلة التجريبية محدودة بشأن عدد الحالات التي يؤدي فيها تضارب المصالح إلى سحب مقال أو تصحيحه أو إصدار تعبير عن القلق بشأنه، كما ظل غير واضح ما إذا كان تضارب المصالح يظهر سببًا منفردًا للإجراء التحريري أم يقترن عادة بمشكلات أوسع مثل خلل التحكيم أو التأليف أو التحقيقات المؤسسية، ومن هنا سعت الدراسة إلى وصف تواتر الإشعارات المرتبطة بتضارب المصالح وأنماطها وطريقة تعامل المجلات معها في قاعدة بيانات متعددة التخصصات ومتاحة علنًا
الأهداف وأسئلة الدراسة
استهدفت الدراسة تحديد عدد إشعارات السحب والتصحيح والتعبير عن القلق وإعادة النشر التي ذُكر فيها تضارب المصالح صراحة، ومقارنة ظهوره سببًا وحيدًا بظهوره إلى جانب أسباب أخرى، كما بحثت الخصائص الزمنية والجغرافية والتخصصية والناشرية للمقالات المتأثرة، ودرست أنماط التأليف من حيث عدد المؤلفين والمؤسسات وبعض المؤشرات الاستكشافية المتعلقة بجنس المؤلف الأول والأخير، وكان الغرض النهائي توفير أدلة تساعد المجلات والناشرين والمؤسسات على بناء استجابات تحريرية متدرجة وأكثر اتساقًا وشفافية
المنهج ومصدر البيانات
استخدم الباحثون تصميمًا وصفيًا مقطعيًا قائمًا على تحليل السجلات العامة في قاعدة Retraction Watch المتاحة عبر Crossref، وشمل الفحص جميع السجلات منذ بداية القاعدة حتى 23 أبريل 2026، وأُدرج كل إشعار ورد فيه تضارب المصالح سببًا وحيدًا أو واحدًا من عدة أسباب معلنة، وشملت العينة إشعارات السحب والتصحيح والتعبير عن القلق وإعادة النشر، واستخرج الفريق تاريخ المقال وتاريخ الإشعار ونوع المقال والمجال العلمي وبلد المؤلف المراسل وعدد المؤلفين والمؤسسات والناشر وجميع الأسباب الواردة في الإشعار، ثم تحقق يدويًا من إشعارات المجلات وبيانات المقالات، وصنّف الأسباب الموضوعية بعد استبعاد الفئات الإدارية التي تصف حالة الإشعار ولا تشرح سبب التدخل التحريري
الأداة والتحليل
تمثلت أداة الدراسة في نموذج استخراج بيانات من سجلات Retraction Watch وبيانات Crossref وصفحات المقالات وإشعارات المجلات، وليس في استبانة أو مقابلات مع أفراد، وحُللت البيانات بإحصاءات وصفية منفصلة بحسب نوع الإجراء التحريري، واستخدم الباحثون إعادة المعاينة بطريقة Bootstrap عبر 10,000 تكرار لتقدير الوسيط وفواصل الثقة 95% للمدد الزمنية وعدد المؤلفين والانتماءات المؤسسية، ونُفذ التحليل في Python 3٫11 مع pandas وNumPy، أما تقدير جنس المؤلفين فبدأ بالتحقق اليدوي من الأسماء الكاملة والمصادر العامة، ثم استُخدمت أداة Genderize.io للحالات غير المحسومة مع حد احتمالي لا يقل عن 60%، وعوملت هذه النتائج بوصفها استكشافية لا دليلًا على فروق سببية
المجتمع والعينة
تكون مجتمع التحليل من السجلات المفهرسة في قاعدة Retraction Watch ضمن المدة المحددة، وبلغت العينة النهائية 886 سجلًا ارتبطت صراحة بتضارب المصالح، توزعت إلى 748 حالة سحب و39 تصحيحًا و97 تعبيرًا عن القلق وحالتي إعادة نشر، وكانت غالبية المقالات المتأثرة أبحاثًا أصلية متعددة المؤلفين والمؤسسات، وتركزت الحالات في العلوم الحيوية الأساسية والطب والعلوم الصحية، لكن الدراسة أكدت أن التوزيعات العددية بحسب البلدان أو الناشرين لا تمثل معدلات انتشار بعد ضبط حجم الإنتاج العلمي
أبرز النتائج
ظهر تضارب المصالح سببًا وحيدًا في 95 سجلًا فقط بما يعادل 10٫7% من العينة، منها 32 حالة سحب و11 تصحيحًا و52 تعبيرًا عن القلق، أي إن ظهوره منفردًا كان نادرًا في السحب وأكثر شيوعًا نسبيًا في التصحيحات والتعبير عن القلق، وفي بقية السجلات اقترن تضارب المصالح غالبًا بمشكلات التحكيم أو التأليف والانتماء المؤسسي أو تحقيقات المجلات والمؤسسات أو مخالفات أخلاقية أوسع، وبلغت نسبة السحوبات التي كان فيها تضارب المصالح السبب الوحيد 4٫3%، بينما بلغت النسبة في التصحيحات 28٫2% وفي تعبيرات القلق 53٫6%، وكان وسيط الزمن من النشر إلى الإجراء التحريري أطول في تعبيرات القلق وأقصر في التصحيحات مع تباين واسع بين السجلات، ولم يتبع سوى 22٫7% تقريبًا من تعبيرات القلق المرتبطة بتضارب المصالح سحب لاحق بحسب البيانات المتاحة، مما يترك مصير عدد كبير من الحالات غير واضح للقارئ وقواعد الفهرسة
القراءة التفسيرية
تشير النتائج إلى أن المجلات تتعامل غالبًا مع تضارب المصالح وفق استجابة متدرجة، فالإفصاح الناقص وحده قد يقود إلى تصحيح أو تعبير عن القلق، أما السحب فيظهر بدرجة أكبر عندما يقترن التضارب بمشكلات تمس صلاحية البحث أو سلامة التحكيم والبيانات والتأليف، ولا تعني كثرة السجلات في بلد أو ناشر بعينه أن سوء السلوك أكثر انتشارًا فيه، لأن الأعداد لم تُقسم على حجم النشر ولم تضبط باختلاف التخصصات أو سياسات الفهرسة أو قدرة الناشرين على اكتشاف المشكلات وتسجيلها، ولذلك تعد النتائج وصفًا للبنية المرئية في القاعدة لا ترتيبًا للدول أو المؤسسات من حيث النزاهة
القيود
أوضحت الدراسة أن Retraction Watch تركز أساسًا على السحوبات ولا تشمل جميع التصحيحات أو تعبيرات القلق في الأدبيات، كما أن نصوص الإشعارات لا تميز دائمًا بين المصالح المالية وغير المالية ولا بين الإخفاء المتعمد والإغفال غير المقصود، واعتمدت المقارنات الجغرافية والناشرية على أعداد مطلقة غير مضبوطة بحجم الإنتاج، وكان تقدير جنس بعض المؤلفين احتماليًا ومن دون مجموعة مقارنة مرجعية، فضلًا عن أن التحليل وصفي مقطعي قائم على نصوص ثانوية ولا يستطيع إثبات متى نشأ تضارب المصالح أو لماذا لم يُكتشف مبكرًا أو ما النتيجة النهائية لجميع تعبيرات القلق
التوصيات والاستنتاج
توصي النتائج بجعل إفصاحات المصالح منظمة وقابلة للتحقق والربط آليًا ببيانات المقال والإشعارات التحريرية، وتحسين المعايير الوصفية في Crossref وقواعد الفهرسة حتى يصل التصحيح أو السحب أو التعبير عن القلق إلى القارئ بسرعة، كما تدعو إلى دراسات مستقبلية تستخدم مقامات مناسبة لحجم النشر وتقارن أسباب السحب المختلفة وتتبع تعبيرات القلق حتى نهايتها، وتفحص نصوص الإشعارات ونماذج الإفصاح الأصلية للتمييز بين أنواع التضارب، وتخلص الدراسة إلى أن تضارب المصالح نادرًا ما يكون سببًا منفردًا للسحب، لكنه قد يعمل إشارة إنذار تكشف ضعفًا أعمق في الإفصاح والرقابة التحريرية وحوكمة البحث، وأن الوقاية المبكرة والشفافية المترابطة أفضل من الاعتماد على إجراءات ما بعد النشر وحدها








